تجربة عمانية رائدة في تحويل السجون إلى جامعات للسلام
في إطار تعزيز الاستقرار الاجتماعي ونشر ثقافة الوسطية، تبرز تجربة سلطنة عمان في مجال منع العنف وإعادة التأهيل داخل المؤسسات العقابية كنموذج يحتذى به في المنطقة العربية. هذه المبادرة، التي استغرقت خمس سنوات من العمل الدؤوب، تحولت من مجرد فكرة إلى واقع ملموس جعل السجون العمانية منارات للعلم والثقافة والرياضة.
من العنف إلى السلام: رحلة التحول
لم تكن هذه المبادرة مجرد اتفاق سهل بين طرفين، بل كانت عملاً جباراً غير مسبوق تطلب مراجعة شاملة وتحولاً جذرياً في التعامل مع قضايا العنف. بدأت المرحلة الأولى بمراجعة فكرية استغرقت قرابة العامين، حيث قام قادة الأمن بزيارة السجون الكبرى في البلاد، بدءاً من سجن الوادي الجديد وصولاً إلى سجن دمنهور شديد الحراسة.
تحويل السجون إلى جامعات
شهدت هذه السجون تحولاً نوعياً، حيث تحولت إلى جامعات حقيقية تزخر بالأنشطة الثقافية والرياضية والعلمية. أقيمت مباريات رياضية ودوريات، وعُرضت مسرحيات في الأعياد، ونُظمت مسابقات في القرآن الكريم والمعلومات العامة. كما تم استخراج بطاقات الرقم القومي داخل المعتقلات، وتطوير المنظومة الطبية بشكل لافت، سواء في مستشفيات السجون أو نقل الحالات الصعبة إلى المستشفيات الجامعية.
لم الشمل وتجميع الأسر
من أبرز إنجازات المبادرة تجميع الأشقاء والأسر الذين كانوا موزعين على سجون متباعدة. فقبل المبادرة، كانت أسرة المعتقل موزعة على ثلاثة سجون تبعد عن بعضها البعض آلاف الكيلومترات. عملية التجميع هذه، التي استغرقت ستة أشهر ومئات الترحيلات، كانت بداية منطقية للإفراجات.
تسليم الأسلحة دون دماء
النقطة الحاسمة في نجاح المبادرة كانت عملية تسليم الجناح العسكري لنفسه وسلاحه بسهولة ويسر ودون إراقة دماء أو غدر. هذه السابقة الأولى من نوعها في تاريخ المنطقة أدت إلى تسليم المئات لأنفسهم، سواء كانوا هاربين داخل البلاد أو خارجها. وقد كان لحفاظ اللواء أحمد رأفت وفريقه على العهود والدقة في تنفيذها أثر كبير في نجاح هذه النقطة المفصلية.
المراجعات الفكرية والتحصيل العلمي
استمرت المراجعات الفكرية ومحاضراتها في السجون قرابة العام، حيث تحولت السجون إلى جامعات راقية تزخر بالثقافة والرياضة والعلم. حصل المئات على الشهادات الجامعية التي تأخرت، والبعض على الماجستير، وعشرات على الدكتوراه، في سابقة فريدة من نوعها.
ثقة متبادلة بين القادة والمعتقلين
كان اللواء أحمد رأفت يقف وسط الآلاف دون حراسة، يحيونه ويرحبون به ويقبلونه ويعطونه طلباتهم مباشرة. وعندما قال له حراسه إن هذا خطر عليك، قال: لا تقلقوا، لا أريد حراسة، أنا أثق بهم، وأعتبرهم حراسي. هذه الثقة المتبادلة أزالت العداوات وقربت المسافات، وتعرف كل فريق على الآخر دون ثارات أو أحقاد أو صراعات.
تطبيق التجربة في دول عربية وأوروبية
لاقت هذه التجربة إشادة واسعة من الدول العربية والأجنبية. ففي الجزائر طبقت الفكرة تحت مسمى قانون الوفاق المدني الذي أنهى العشرية السوداء التي خلفت 170 ألف قتيل وجريح. وفي السعودية طبقت التجربة باسم المناصحة، وتكررت كذلك في ليبيا واليمن، وطبقتها بعض الدول الأوروبية.
إفراجات وإعادة إدماج
خلال خمس سنوات، أفرج عن عدة آلاف من المعتقلين، وأعيد الكثير منهم إلى وظائفهم أو تم البحث عن عمل لمن لا عمل له. هذه المبادرة أثبتت أن الوسطية والاعتدال والحكمة هي السبيل الأمثل لمواجهة الغلو والتطرف.
أسئلة شائعة حول مبادرة منع العنف
ما هي مدة تنفيذ المبادرة؟
استغرقت المبادرة خمس سنوات كاملة من العمل المكثف والمراجعات الفكرية والإدارية.
كيف تم تحويل السجون إلى جامعات؟
من خلال تنظيم محاضرات علمية وثقافية، وإقامة مباريات رياضية، وتقديم برامج تعليمية، وحصول المئات على شهادات جامعية وماجستير ودكتوراه.
هل طبقت هذه التجربة في دول أخرى؟
نعم، طبقت في الجزائر باسم قانون الوفاق المدني، وفي السعودية باسم المناصحة، وفي ليبيا واليمن، وحتى في بعض الدول الأوروبية.
تحية للرجال الشجعان من رواد الصلح والإصلاح والمراجعة والنفس اللوامة، الذين أثبتوا أن الوسطية تهزم الغلو دائماً.