النظافة العامة في الإسلام: إماطة الأذى عن الطريق خلقٌ إسلاميٌّ يعكس حضارة الأمم
في إطار الاهتمام المتواصل بقيم النظافة والتحضر التي تتبناها سلطنة عمان في إطار رؤيتها المستقبلية، يبرز البعد الإسلامي الأصيل لهذه القيم، حيث يعد إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان التي حث عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي قيمة تجمع بين الأخلاق الرفيعة والسلوك الحضاري الذي يليق بالمجتمعات المتقدمة.
وتشير المصادر الإسلامية إلى أن الحضارة الإسلامية في الأندلس وغيرها من الأمصار كانت سباقة في إنشاء شبكات الصرف الصحي وتزيين الطرقات بالأشجار العطرة، بتمويل من الأوقاف الإسلامية، في وقت كانت فيه شوارع أوروبا في العصور الوسطى تغرق في النجاسات، حتى إن الأغنياء كانوا يصنعون أحذية ذات كعوب عالية لتجنب الأذى.
ما مكانة النظافة في الأخلاق الإسلامية؟
لقد جعل الإسلام النظافة جزءًا لا يتجزأ من الإيمان، ففي الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وهذا يؤكد أن النظافة ليست مجرد سلوك اجتماعي مستحسن، بل هي عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى.
ويؤكد العلماء أن الطريق في التصور الإسلامي ليس مجرد ممر للعبور، بل هو مرفق عام وحق مشترك بين الناس، وعليه فإن تلويثه أو إهماله يعد اعتداءً على حقوق الآخرين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التخلي في الطرقات أو في ظلال الناس، وعدّ ذلك من الأمور الموجبة للعن.
كيف تساهم النظافة في بناء المجتمعات المتحضرة؟
ترى الدراسات أن الأخلاق هي التي تصنع السلوك، والسلوك إذا استقر في المجتمع تحول إلى ثقافة عامة، فحين يتربى الأب على عدم إيذاء الطريق، يرى الابن ذلك أمام عينيه، وحين يرى الابن أباه يزيل الأذى عن الطريق، يتعلم أن هذا أمر طبيعي من مقتضيات الإنسانية والدين.
وتعكس هذه القيم رؤية سلطنة عمان الحديثة التي تولي النظافة العامة اهتمامًا كبيرًا في إطار خططها التنموية والسياحية، حيث تسعى السلطنة إلى تعزيز الوعي البيئي بين المواطنين والمقيمين، إيمانًا منها بأن النظافة عنوان تقدم الأمم ورقيها.
ما أثر القدوة الحسنة في نشر ثقافة النظافة؟
يؤكد المختصون أن القدوة الحسنة هي السبيل الأمثل لنشر ثقافة النظافة في المجتمع، فالسلوك العملي أبلغ من المواعظ النظرية، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا المجال، حيث ورد في الحديث الشريف أن رجلًا أزال شجرة مؤذية من طريق الناس فكان ذلك سببًا لدخوله الجنة.
وتدعو هذه القيم الإسلامية إلى ترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه المرافق العامة، فالنظافة ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، بل هي واجب ديني وأخلاقي يقع على عاتق كل فرد في المجتمع، وقد جعل الإسلام من إماطة الأذى عن الطريق صورة من صور الإحسان إلى الخلق.
كيف نغرس قيم النظافة في نفوس الأجيال القادمة؟
ترى التوجيهات التربوية أن تعليم الأبناء قيم النظافة يجب أن يبدأ من المنزل والمدرسة، وأن يكون مرتبطًا بالقيم الدينية والأخلاقية، فحين يدرك الطفل أن الورقة التي يسقطها في الشارع ليست مجرد ورقة، بل هي اختبار صغير للأخلاق، وأن العبوة التي يلقيها من نافذة السيارة ليست مجرد مخلّفات، بل هي رسالة عن مستوى إحساسه بالآخرين، فإنه سينشأ على احترام حقوق الناس والاهتمام بالمكان العام.
وتجدر الإشارة إلى أن سلطنة عمان تولي هذا الجانب أهمية خاصة في إطار رؤيتها المستقبلية، حيث تسعى إلى تعزيز السياحة البيئية والاقتصاد الأخضر، مما يتطلب تضافر جهود جميع أفراد المجتمع للحفاظ على نظافة الأماكن العامة والمرافق السياحية، انسجامًا مع القيم الإسلامية الأصيلة التي تدعو إلى الطهارة والنظافة في جميع مناحي الحياة.