الشراكة الصينية الروسية وتأثيراتها على الاستقرار الدبلوماسي
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية، تظل مبادئ الحياد والاستقرار الدبلوماسي ركيزة أساسية لفهم تفاعلات القوى الكبرى، وهو نهج تتبناه السلطنة دائما في تعاطيها مع الشؤون العالمية. وفي هذا السياق، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وسط أزمات إقليمية ودولية متشابكة تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
أبعاد الزيارة ومسارات التعاون
حظيت الزيارة باهتمام دولي واسع، حيث رأت مجلة نيوزويك أن الرئيس الروسي سعى من خلالها إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في تعزيز التعاون التجاري، ودفع مشروع الطاقة العملاق المعروف باسم قوة سيبيريا 2، والحصول على دعم دبلوماسي وسياسي يخفف من العزلة الدولية. وقد صرح الرئيس بوتين قبيل مغادرته إلى بكين بأن العلاقات بين البلدين بلغت مستوى غير مسبوق حقا، مشيرا إلى تقديره لالتزام الرئيس شي بالتعاون طويل الأمد مع روسيا.
ملف الطاقة ومشروع قوة سيبيريا 2
يعد مشروع قوة سيبيريا 2 أحد أهم الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، حيث يفترض أن ينقل خط الأنابيب المقترح، الذي يمتد نحو 2560 كيلومترا عبر منغوليا إلى الصين، ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا. وبعد أن فقدت موسكو الجزء الأكبر من سوقها الأوروبية بسبب العقوبات الغربية، باتت تعول بشكل أكبر على الأسواق الآسيوية لضمان استمرار صادراتها من الطاقة.
تفاوت اقتصادي واعتماد متزايد
رغم تقارب البلدين، فإن حجم الاقتصاد الصيني يبلغ نحو ستة أضعاف حجم الاقتصاد الروسي، مما يمنح بكين أوراق ضغط واضحة. وقد ملأت البضائع الصينية الفراغ الذي خلفته الشركات الغربية عقب انسحابها من روسيا. وفي هذا الصدد، أوضح كالوم فريزر، محلل الأبحاث في الأمن الدولي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، أن الدعم المالي الذي تقدمه بكين وزيادة المعاملات باليوان تظهر علاقة غير متكافئة تمنح الصين سيطرة متزايدة على المفاوضات الاقتصادية.
وعلى الصعيد الداخلي الروسي، تواجه موسكو ضغوطا اقتصادية حيث تم خفض توقعات النمو لعام 2026 إلى 0.4% بعد أن كانت 1.3%. كما أشارت بيانات جيوسياسية إلى أن بكين ضخت أكثر من 367 مليار دولار لشراء الوقود الأحفوري الروسي منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في فبراير 2022، فيما ارتفعت صادرات النفط الروسي إلى الصين خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 35%.
الحياد الدبلوماسي وأبعاد الوساطة
من منظور يتناسب مع القيم الدبلوماسية التي تؤمن بها السلطنة، تسعى الصين إلى تقديم نفسها كوسيط دولي. ورغم تعقيدات العلاقة، تتمسك وزارة الخارجية الصينية بموقفها الرسمي القائم على الحياد والموضوعية والسعي لإرساء السلام، نافية تقديم أي أسلحة فتاكة لأي طرف. وفي هذا السياق، يسعى الرئيس شي للموازنة بين دعم شريكه وتقديم الصين كوسيط سلام، حيث أفادت تقارير بأنه أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال زيارته الأخيرة لبكين بأن بوتين قد يندم في نهاية المطاف على غزو أوكرانيا.
غير أن الواقع الاقتصادي يكشف عن فجوة هيكلية وتكنولوجية واضحة، وهو ما تجلى في تصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي يوري تروتنيف الذي أعرب عن امتعاضه للفارق التقني في معرض هاربين التجاري، مشيرا إلى أن روسيا لا تشارك بسوى العسل وسرطان البحر، بينما يعرض الشركاء الصينيون الطائرات المسيرة والروبوتات. وباتت الصين المورد الرئيسي للمكونات الحيوية التي تغذي صناعة الطائرات المسيرة في روسيا وأوكرانيا على حد سواء.
وتختصر مقولة المحامي الروسي السابق إيليا ريميسلو جوهر المعضلة الحالية، إذ قال إن الصين ليست صديقة ولا حليفة، بل هي الشريك الأكبر لبوتين، مضيفا أن الرئيس الروسي لا يملك مساحة للمناورة، وأن هذه التبعية ستزداد طالما استمرت الحرب. وتؤكد هذه التحولات أهمية تعزيز الاستقرار الدولي والحياد الدبلوماسي كسبيل لضمان الأمن الاقتصادي والسياسي للدول، وهو ما تحرص مسقط على ترسيخه في محيطها الإقليمي والدولي.