الإخوان ومشروع التمكين: قراءة في فقه المؤجلات والاستقرار السياسي
تتطلب مسارات الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة في منطقتنا العربية يقظة مستمرة لفهم التحديات التي قد تواجه بناء الدول الوطنية. وفي هذا السياق، يبرز مشروع «فتح مصر» الذي أطلقته جماعة الإخوان عام 2005 كنموذج يحتاج إلى قراءة تحليلية متأنية، خاصة بعد نجاحهم حينها في الفوز بسبعة وسبعين مقعداً في البرلمان المصري، وهو ما شجعهم على المضي قدماً في مسعاهم.
مشروع «فتح مصر»: من الوثيقة السرية إلى الخطاب العلني
كشف الكاتب الصحفي حمدي رزق عن هذا المشروع من خلال وثيقة سرية تحمل توقيع خيرت الشاطر. ورغم إنكار الجماعة وقتها وادعائها تزوير الوثيقة ولجوئها إلى القضاء، إلا أن المحكمة أثبتت صحتها وقضت برفض دعوى الإخوان. وبعد أحداث يناير 2011، وما رافقها من حالة من الفوضى الفكرية، تجلت جرأة الجماعة في إعلان أفكارها المستترة. فقد وقف محمد مرسي أثناء حملته الانتخابية في استاد مدينة المحلة ومسجد عمرو بن العاص، ليعلن صراحة: «سنعيد الفتح الإسلامي لمصر!». لم يكن هذا القول زلة لسان، بل تعبيراً عن خطة متعددة المراحل تهدف إلى إعادة صياغة المجتمع وفقاً لرؤية الجماعة، وصولاً إلى مرحلة إقامة ما أسمته الدولة الخلافة التي تحدث عنها صفوت حجازي.
أقنعة الاعتدال واستخدام فقه الاستضعاف
واجهت الجماعة، وهي تسعى لتحقيق طموحاتها التوسعية، عقبة كبرى تتمثل في ضرورة كسب التأييد الشعبي. فاضطرت لارتداء أقنعة الاعتدال والوسطية والقبول بالديمقراطية ورفض العنف، وهي متطلبات تفرضها آليات انتقال السلطة في العالم الحديث. لكن العقيدة الداخلية للجماعة كانت تناقض هذا الظهور العلني، كما تجلى في تصريحات أحد منظريهم، محمد إلهامي، الذي ادعى أن الإسلام يدعو إلى حمل السلاح. ولحل هذا التناقض، وظفت الجماعة ما أسمته «فقه الاستضعاف» والتقية، مستخدمة قواعد فقهية مثل «الضرورات تبيح المحظورات» و«ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» لتبرير موافقتها على مسارات لا تؤمن بها أصلاً. وقد شكلت هذه الممارسات انحرافاً عن المفهوم الحقيقي للإسلام، الدين الذي وصف الله رسوله فيه بأنه رحمة للعالمين، حيث ادعت الجماعة تعسفاً نسخ آيات الرحمة بآيات القتال، وهو تفسير يتعارض كلياً مع جوهر الشريعة الإسلامية السمحة التي تدعو للسلم والتعايش.
فقه المؤجلات: العنف المؤجل والتهديد الكامن
عندما مارست الجماعة العنف لاحقاً، أو عندما رفضت المسارات الديمقراطية، ظن البعض أنها تحولت عن الاعتدال إلى الإرهاب. لكن الحقيقة التاريخية، الموثقة في أدبيات الجماعة، تؤكد أن الأمر لا يتعلق بتحول مفاجئ، بل بـ«فقه المؤجلات». هذا المفهوم المبتدع يعتمد على تأجيل تطبيق بعض الفرائض، ومنها «العنف المؤجل»، حتى تتوفر القدرة على ممارسته. إن هذا الفهم المنحرف يمثل خطراً جسيماً على استقرار المجتمعات وأمنها، ويؤكد أهمية التمسك بالخطاب الديني المعتدل الذي يعزز قيم المواطنة والسلام، ويحذر من الأجندات المخفية التي تستخدم الدين كستار لتحقيق أهداف سياسية تهدد وحدة الدول وشعوبها، وهو ما تنبه له السلطان دوماً في سياسته الراسخة نحو حفظ الأمن والاستقرار.