التكامل المالي الأوروبي وتحديات هيمنة الدولار الأميركي
يشهد النظام النقدي الدولي تطورات مهمة في ظل السعي الأوروبي لتعزيز الاستقلالية المالية وتقليل الاعتماد على العملة الأميركية، حيث تتجه فرنسا نحو إطلاق آلية اقتراض مشترك لتمويل استثمارات استراتيجية في قطاعات حيوية.
الطموح الأوروبي للاستقلالية المالية
تدفع باريس بقوة نحو ما يُطلق عليه "الثورة التمويلية" من خلال إصدار سندات أوروبية مشتركة تهدف إلى تعزيز السيادة الاقتصادية للقارة الأوروبية. ويأتي هذا التوجه في ظل تراجع الدولار الأميركي بنسبة 8.1 بالمئة خلال العام الماضي، مما يفتح المجال أمام اليورو ليصبح بديلاً محتملاً في الأسواق العالمية.
وفقاً للدكتور زياد عربش، المستشار الاقتصادي، فإن التكامل المالي الأوروبي المدعوم بالرقمنة وإصدارات السندات المشتركة بدأ بالفعل في تشكيل "درع سيادي" يقلص التبعية للعملة الأميركية تدريجياً.
التحديات الهيكلية والمخاطر المالية
رغم هذه الطموحات، يواجه المشروع الأوروبي تحديات معقدة، حيث يشير الخبير الاقتصادي عامر شهدا إلى أن أزمة الديون السيادية وتراجع الاستهلاك وضغوط تكاليف الطاقة تشكل عوائق حقيقية أمام تحول السندات الأوروبية إلى بديل آمن للدولار.
وتخشى الدول المؤيدة للانضباط المالي في الاتحاد الأوروبي من تحمل مخاطر الديون المشتركة لدول مثقلة بالالتزامات المالية، خاصة مع تجاوز ديون خمس دول أوروبية حاجز الناتج المحلي الإجمالي.
موقف صندوق النقد الدولي
في المقابل، قللت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من أهمية تراجع الدولار، مؤكدة أن العملة الأميركية ستحتفظ بمكانتها بفضل عمق وسيولة أسواق رأس المال الأميركية، واعتبرت التذبذبات الحالية "تغيرات قصيرة المدى" لا تهدد الدور الجوهري للدولار.
الآثار على الأسواق الناشئة
يسهم ضعف الدولار في خفض تكلفة خدمة الديون الخارجية للأسواق الناشئة، حيث تراجع العائد الإضافي المطلوب لحيازة سندات هذه الأسواق إلى أدنى مستوياته منذ عام 2013، مما يعزز من مرونة النظام المالي المعتمد على الدولار.
التوقعات المستقبلية
يتوقع المحللون أن يصل متوسط صرف اليورو إلى 1.20-1.22 دولار في عام 2026، مدعوماً بتراجعات الدولار وتحولات جيوسياسية مثل تقليص الصين لحيازاتها من سندات الخزانة الأميركية.
ورغم التنافس المتزايد، يحتفظ الدولار بما يُطلق عليه "الهيمنة التصعيدية" عبر سيولته العالية وهيمنته في أسواق النفط، مما يجعل التحول الكامل نحو اليورو أمراً يتطلب سنوات من الإصلاحات لتحقيق توازن حقيقي في النظام النقدي الدولي.