التوازنات الجديدة في غزة بعد وقف إطلاق النار
تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات مهمة في أعقاب دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، حيث انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة تتسم بإدارة التوتر عبر أدوات متعددة المستويات.
آليات الردع الجديدة
تُظهر المعطيات الميدانية أن المرحلة الحالية تقوم على تثبيت قواعد اشتباك جديدة، وإعادة توزيع السيطرة، واستخدام الضغط غير القتالي كوسيلة تأثير رئيسية. وقد اعتمدت إسرائيل سياسة أمنية تقوم على الاستجابة السريعة والمحدودة لأي تحرك تعتبره تهديداً لقواتها.
وتشير البيانات العسكرية الإسرائيلية إلى أن هذا السلوك يُعد جزءاً من "تثبيت الهدوء بالقوة"، وهو نهج يهدف إلى منع الفصائل الفلسطينية المسلحة من إعادة اختبار حدود الردع.
السيطرة الجغرافية والأمنية
تُظهر الخرائط الميدانية أن إسرائيل فرضت وجوداً عسكرياً دائماً على مساحة تُقدر بأكثر من نصف القطاع، تشمل مناطق شريطية واسعة تمتد من شمال غزة إلى جنوبها.
ويتجلى هذا الوجود في إقامة مناطق عسكرية مغلقة، ونشر نقاط مراقبة ثابتة ومتحركة، ومنع السكان من دخول أراضٍ زراعية أو تجارية قرب خطوط السيطرة.
التحديات الإنسانية والاقتصادية
تشير بيانات اقتصادية وميدانية إلى أن إسرائيل تسمح يومياً بدخول نحو 200 شاحنة فقط إلى قطاع غزة، في حين أن الحاجة الفعلية تتطلب دخول نحو 600 شاحنة يومياً وفق الخطط الإنسانية واللوجستية.
ويُقيّد إدخال مواد البناء الأساسية مثل الحديد والأسمنت، إضافة إلى المعدات الكهربائية والمولدات، تحت وصف "مواد مزدوجة الاستخدام".
الاستراتيجيات المضادة
في المقابل، اعتمدت حركة حماس على قنوات سياسية مع مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة عبر الوسطاء، بهدف تحسين شروط وقف إطلاق النار، وتسهيل إدخال المساعدات.
كما نفذت الحركة سلسلة من العمليات الأمنية ضد الأشخاص الذين تتهمهم بالتعاون مع إسرائيل، وأعادت تفعيل وحدات أمنية محلية في بعض المناطق.
التنسيق الإقليمي
تواصل حركة حماس تنسيقها مع محور المقاومة على المستويين العسكري والسياسي، ويشمل هذا التنسيق إيران وحزب الله اللبناني وأنصار الله في اليمن، بهدف تعزيز الردع الإستراتيجي خارج حدود قطاع غزة.
آفاق المستقبل
تكشف الوقائع أن قطاع غزة يعيش مرحلة "ردع متعدد المستويات"، ولا تُظهر المعطيات الحالية مؤشرات على نهاية الصراع، بل تعكس انتقاله إلى شكل مختلف يعتمد على ضبط التوتر وإدارة النفوذ.
وتبقى معادلة الردع بين الطرفين مرشحة للتغيير وفق أي تطور ميداني أو سياسي، في ظل غياب اتفاق يضمن استقراراً طويل الأمد في المنطقة.