أزمة الطاقة في كوبا: ظلام متكرر وتحديات إنسانية في ظل عقوبات أمريكية
تعيش كوبا واحدة من أصعب أزمات الطاقة في تاريخها الحديث، حيث تتسع تداعيات انقطاع الكهرباء لتشل قطاعات حيوية وتعطل مظاهر الحياة اليومية. وتتصاعد الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية، في وقت تواجه فيه الحكومة موجة احتجاجات متكررة يقودها مواطنون أنهكتهم ساعات الظلام الطويلة ونقص الوقود والخدمات الأساسية.
ويرصد مراسل الجزيرة حسان مسعود في تقريره من شوارع هافانا كيف تحولت أزمة الكهرباء إلى عنوان يومي لمعاناة الكوبيين، مع غياب الوقود وانقطاع الاتصالات والإنترنت، وتزايد القلق الشعبي من استمرار الأزمة دون مؤشرات على انفراج قريب.
مشاهد من معاناة يومية
يبدأ المشهد مع خورخو، المواطن الكوبي الذي وجد نفسه عاجزا عن إكمال رحلة عائلية بعد نفاد الوقود من سيارته، في صورة تختزل واقعا يعيشه آلاف السكان وسط ندرة البنزين وارتفاع كلفته وصعوبة الحصول عليه. ويقول خورخو إن العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا جعلت الحصول على الوقود أكثر تعقيدا، مضيفا أن الكوبيين يحاولون ابتكار حلول يومية لكنهم يشعرون بأن الأزمة تخنق حياتهم.
وبعد انتظار، يصل أحد أصدقائه حاملا كمية محدودة من البنزين، فيصفها بأنها جرعة أمل متواضعة تسمح له بإعادة تشغيل سيارته ومواصلة طريقه، وهو ما يُظهر اعتماد كثير من الكوبيين على المبادرات الفردية لتجاوز أزماتهم اليومية. ويشير التقرير إلى أن هذا النمط من التكيف ليس جديدا على سكان الجزيرة، الذين اعتادوا منذ عقود من الحصار الاقتصادي على ابتكار وسائل بسيطة لمواجهة نقص الوقود والسلع الأساسية، رغم تراجع قدرتها على تخفيف وطأة الأزمة الحالية.
ظلام متواصل وانقطاع الخدمات
ومع غروب الشمس يتغير المشهد بالكامل، إذ تتحول الأحياء إلى مساحات يغمرها الظلام بعدما أصبحت ساعات الإنارة محدودة، في حين يعتمد السكان على ما توفره أشعة النهار لإنجاز أعمالهم قبل انقطاع الكهرباء مجددا. وتقول إحدى النساء إن ضوء الشمس أضحى المصدر الوحيد للإنارة حتى ساعات المساء الأولى، قبل أن تغرق الأحياء في ظلام دامس، وهو ما يجعل الحياة الليلية شبه متوقفة ويضاعف معاناة الأسر.
ويتجول مراسل الجزيرة عبر دراجة نارية في شوارع خالية من الإنارة، موضحا أن هذه الوسيلة أصبحت أحيانا المصدر الوحيد للضوء في بعض المناطق، في حين تكشف كل زاوية عن قصة جديدة من آثار أزمة الطاقة. ويتوقف التقرير عند منزل يستخدم صاحبه بطارية دراجة كهربائية لإنارة المكان ومواصلة عمله، بعد انقطاع الكهرباء لمدة 36 ساعة متواصلة، مؤكدا أن استمرار الوضع يدفع كثيرين إلى الخروج للاحتجاج والمطالبة بإعادة التيار.
وتتزامن هذه المشاهد مع اتساع نطاق انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت في العاصمة هافانا، بعدما تسبب الانقطاع الواسع للكهرباء في تعطيل شبكات الاتصال وعدد من الخدمات الأساسية، وفق ما أفاد به مراسل الجزيرة. وتربط الحكومة الكوبية الأزمة بتراجع إمدادات الوقود، مؤكدة أن العقوبات الأمريكية تعوق حصول البلاد على احتياجاتها من النفط، خصوصا بعد توقيع الرئيس ترمب مطلع العام مرسوما يفرض رسوما جمركية على السلع القادمة من الدول التي تزود كوبا بالنفط.
غضب متصاعد واحتجاجات ليلية
وفي الأحياء الشعبية، تتحول الاحتجاجات الليلية إلى مشهد متكرر، حيث يقرع السكان الأواني المعدنية احتجاجا على استمرار الانقطاع، في محاولة لإيصال صوتهم إلى السلطات وسط تزايد الضغوط المعيشية. ويؤكد أحد المحتجين أن مطالبهم لا تستهدف الحكومة، وإنما تركز على ضرورة إيجاد حلول سريعة، مشيرا إلى أن استمرار انقطاع الكهرباء والمياه يضاعف معاناة الأسر، خاصة تلك التي تضم أطفالا صغارا.
ومع قتامة المشهد، تظهر نماذج تحاول التمسك بالأمل، مثل الموسيقي دييغو الذي يواصل العزف والغناء مستفيدا من مصادر طاقة بديلة، مشيرا إلى أن الكوبيين يسعون للحفاظ على روحهم رغم الظروف القاسية. ويقول دييغو إن بلاده تمر بإحدى أصعب مراحلها بسبب نقص النفط اللازم لتوليد الكهرباء، لكنه يؤكد أن الكوبيين يحاولون التمسك بالحياة، وأن حبه للجزيرة لن يتغير مهما اشتدت الأزمات.
تحذيرات دبلوماسية وتأكيد على السيادة
وتأتي هذه التطورات في حين حذر نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس دي كوسيو من أن أي عمل عسكري أمريكي ضد بلاده سيؤدي إلى تصعيد خطير وخسائر بشرية، مضيفا أن أصل الخلاف يتمثل في رفض واشنطن الاعتراف بحق كوبا في ممارسة سيادتها الكاملة. وفي السياق نفسه، يؤكد مسؤولون كوبيون أن الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع المعيشية لا تعني تخلي المواطنين عن رفض أي تدخل خارجي، مشددين على أن استمرار أزمة الكهرباء والوقود بات يمثل التحدي الأبرز الذي يواجه الجزيرة، مع ضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة.
وتظل كوبا في انتظار حلول جذرية لأزمتها الطاقوية، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لرفع العقوبات وتخفيف الحصار، مع تأكيد الحكومة الكوبية تمسكها بحقها في السيادة والتنمية المستقلة.