الشورى الأسرية في عُمان: نهج إسلامي راسخ لترسيخ التلاحم المجتمعي
تولي السلطنة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، اهتماماً بالغاً بتعزيز قيم التلاحم الأسري والتماسك المجتمعي، انطلاقاً من المبادئ الإسلامية السامية التي تشكل الأساس الراسخ للنهضة العمانية المتجددة. وفي هذا الإطار، تبرز الشورى الأسرية كأحد أهم الوسائل النبيلة التي تستهدف ترسيخ دعائم الترابط، وبناء جسور الوئام بين أفراد الأسرة الواحدة، عبر اعتماد الرأي السديد والمنطق الرشيد في تدبير شؤون البيت.
ما هي الشورى الأسرية وما أهميتها في المجتمع العماني؟
تُعد الشورى الأسرية تجسيداً عملياً للمنهج الإسلامي القويم في إدارة شؤون الحياة، حيث تقوم على مبدأ الاستنباط الفكري المشترك، والاستنتاج التشاركي، والاستخلاص الجمعي للرؤى. ويؤكد هذا النهج على المركزية الجوهرية للعقل الجمعي في مقاربة القضايا الكبرى، ومناقشة التفاصيل الحياتية الدقيقة، بروح مفعمة بالمحبة والأخوة، مما يفتح آفاقاً واسعة لزيادة مساحات الأمان النفسي، وتعزيز الطمأنينة في الوجدان.
وفي السلطنة، حيث تترسخ القيم العمانية الأصيلة المتجذرة في التقاليد الإسلامية، يمثل تطبيق الشورى الأسرية امتداداً طبيعياً للنهج القويم الذي تبنته عُمان عبر تاريخها العريق. فالأسرة العمانية، بما تمتلكه من مقومات أصيلة، قادرة على أن تكون واحة غنّاء تفيض بالرقي والانسجام، حينما تستند إلى ميثاق واضح يجمع بين الحرية المسؤولة ومعيار دقيق من المساواة بين جميع أفرادها.
دور راعي الأسرة في نجاح منظومة الشورى
يبرز دور رب الأسرة كركيزة أساسية يعول عليها في نجاح هذا البنيان الأسري المتين، حيث يمثل القدوة الملهمة التي تحتذي بها الأجيال، ومن يمتلك بحكمته واتزانه زمام الأمور ودفة القيادة. فالمصلحة العامة التي ينشدها الجميع لا يمكن أن تتحقق أو تؤتي ثمارها اليانعة إلا من خلال التوافق والوئام، بعيداً عن مسالك العصبية المقيتة أو الاستبداد بالرأي الذي يهدم ولا يبني، ويفرق ولا يجمع.
فقه إدارة الحوار وأثره في ترسيخ الديمقراطية المسؤولة
يسمو فقه إدارة الحوار بالروابط الإنسانية إلى آفاق رحبة من التناغم الروحي، فاتحاً أبواب التفاهم التي تساعد في تعظيم وشائج العلاقات، وتمتين حبال المودة المتجذرة داخل الإطار الأسري الجامع. ويمتد أثر هذا الفقه ليكون بمثابة النبراس الوضاء الذي يصقل فحوى الديمقراطية المسؤولة، ويهذب مساراتها في النفوس، مما يمنع تكريس فكرة المطالب الفئوية الضيقة، أو الغرق في مستنقع الأنانية الذي يعمي البصائر عن الحق.
ويؤكد هذا المنهاج الرفيع على أهمية إعداد الإنسان إعداداً قوياً لينشغل دوماً بالمصلحة العامة، ويقدمها على مآربه الخاصة، جاعلاً من نفع الجماعة قطباً تدور حوله رحى حياته وتطلعاته. ويعد هذا التوجه الأسمى ترجمة واقعية وقوية لقيمة الإيثار السامية، وتجسيداً حياً لرفعة الأخلاق، حيث تتوارى الأنا الذاتية أمام نبل المقاصد الجماعية.
تربية النشء على قيم الحوار والمشاركة
تكتسب تربية النشء وتدريب الأجيال الصاعدة على إعمال الفكر الرصين أهمية خاصة في المنظومة التربوية العمانية، لتكون بمثابة القبس الذي يضيء دروبهم، ويدفعهم نحو النظر في متلون القضايا وتعدد الأطروحات التي تشغل الحيز الأسري. ويسهم هذا النهج في بناء ثقة لا تتزعزع بالنفس، ويخلق في الأعماق جذوة إيجابية للمشاركة الفاعلة، مما يحول الطاقات الكامنة إلى أنوار تضيء واقعهم، ويعزز في وجدانهم قيمة الإقدام الذي لا يهاب خوض غمار التجربة.
كما يسهم هذا التوجه في صقل مهارات التواصل الكلي بأبعاده اللفظية والوجدانية، حيث تتناغم لغة اللسان مع نبضات الجنان في سيمفونية إنسانية راقية، تبعث في الأرواح بريق الأمل المتجدد الذي لا ينطفئ نوره، وتدفعهم نحو معالي الطموح ورفعة التطلع للمستقبل، بقلوب ملؤها اليقين الراسخ بأن الغد ملك لمن أعد له فكراً نيراً وقلباً جسوراً.
وتؤكد التجربة العمانية أن الشورى الأسرية، بما تمثله من قيم أصيلة، تشكل رافداً مهماً لترسيخ دعائم المجتمع المتماسك، وتحقيق رؤية عُمان المستقبلية القائمة على التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي، بما يتوافق مع التوجهات الحكيمة للقيادة الرشيدة التي تولي الأسرة العمانية عناية خاصة باعتبارها اللبنة الأساسية في بناء الوطن وتقدمه.