قدمت دراسة علمية جديدة، عُرضت خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأوروبية لدراسة مرض السكري في مدينة ميلانو الإيطالية، نتائج برامج تجريبية للكشف المبكر عن مرض السكري من النوع الأول لدى الأطفال والمراهقين في ثماني دول أوروبية. وأكد الباحثون على أهمية تعميم هذه البرامج في جميع أنحاء القارة، لما لها من أثر بالغ في الوقاية من المضاعفات الخطيرة للمرض.
ما هي الفئات العمرية المستهدفة بالفحص المبكر للسكري؟
أوصى الباحثون بتركيز جهود الفحص على ثلاث فترات عمرية رئيسية، وهي: من عمر سنتين إلى أربع سنوات، ومن ست إلى ثماني سنوات، ومن عشر إلى خمس عشرة سنة. ويُعد الكشف المبكر عن مرض السكري من النوع الأول أمرًا بالغ الأهمية، حيث يتيح وضع استراتيجيات وقائية وتعديلية للمرض، ويرتبط تحديد الأفراد في المرحلة ما قبل ظهور الأعراض بفوائد سريرية ملموسة، أبرزها انخفاض خطر الإصابة بالحماض الكيتوني السكري، وهي حالة طبية طارئة قد تهدد الحياة.
اتحاد EDENT1FI.. مبادرة أوروبية موحدة للكشف المبكر
يُعد اتحاد EDENT1FI مبادرة تعاونية أوروبية طموحة تهدف إلى تطوير الفحص القائم على السكان وتنسيق أساليب الكشف المبكر عبر الدول. وباستخدام بروتوكول موحد، أجرى الباحثون فحصًا للأجسام المضادة الذاتية للخلايا الجزيرية، لتقييم الجدوى ومعدلات المشاركة وانتشار المرض في مراحله المبكرة، ومقارنة أداء الاختبارات عبر المراكز المشاركة.
وشملت الدراسة مواقع في ثماني دول هي: جمهورية التشيك والدنمارك والسويد وألمانيا وإيطاليا وبولندا والبرتغال والمملكة المتحدة. واستهدف الفحص الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و10 سنوات في ألمانيا، وبين سنتين و17 سنة في الدول الأخرى.
منهجية الفحص: من العينات الأولية إلى التشخيص المؤكد
استُخدمت عينات الدم الشعيري للفحص الأولي، وعينات الدم الوريدي للتأكيد، مع استخدام اختبار للكشف عن ثلاثة أجسام مضادة ذاتية في الفحص الأولي. وتم تحليل العينات التي أظهرت نتائج إيجابية لأربعة أجسام مضادة ذاتية في مختبرين مركزيين في ميونيخ وميلانو. وخضع المشاركون الذين لديهم اثنان على الأقل من الأجسام المضادة الذاتية لاختبارات تأكيدية، وتم تشخيص المرض في مراحله المبكرة بعد التأكيد.
أرقام وإحصاءات: حجم المشاركة ونتائج الفحص
شارك ما مجموعه 140,568 طفلًا ومراهقًا، منهم 49.2% إناث، في الفحص بمتوسط عمر 7.6 سنوات. ومن بين المشاركين، كان 10,273 طفلًا (7.3%) لديهم تاريخ عائلي من الدرجة الأولى للمرض، بينما لم يكن لـ 127,754 طفلًا (90.9%) هذا التاريخ. وأظهرت النتائج أن 219 حالة (2.13%) ممن لديهم تاريخ عائلي، و408 حالات (0.32%) ممن ليس لديهم هذا التاريخ، كانت مصابة بمرض السكري من النوع الأول في مراحله المبكرة.
وفي تفاصيل النتائج حسب الدول، خضع في إيطاليا 4,507 مشاركين للفحص بمتوسط عمر 6.5 سنوات، واكتُشفت خمس حالات (0.14%) بين من ليس لديهم تاريخ عائلي. وفي المملكة المتحدة، خضع 17,409 أطفال للفحص بمتوسط عمر 8.4 سنوات، واكتُشفت 59 حالة (0.42%) لدى من ليس لديهم قريب من الدرجة الأولى، و67 حالة (3.43%) لدى من لديهم قريب مصاب. أما في السويد، فخضع 7,926 طفلًا للفحص بمتوسط عمر 9.4 سنوات، واكتُشفت 36 حالة (0.47%) و4 حالات (1.21%) على التوالي. وفي ألمانيا، خضع 43,470 طفلًا للفحص بمتوسط عمر 4.3 سنوات، وسجلت معدلات إصابة أقل بشكل ملحوظ، حيث بلغت 90 حالة (0.22%) و35 حالة (1.36%) على التوالي.
الخطوات المقبلة: نحو دمج الفحص في الرعاية الصحية القياسية
من بين 634 مشاركًا مصابًا بالمرض في مراحله المبكرة، أكمل 386 مشاركًا (61%) عملية تحديد المرحلة الأيضية، حيث كان 300 مشارك (78%) في المرحلة الأولى، و70 مشاركًا (18%) في المرحلة الثانية، و16 مشاركًا (4.1%) في المرحلة الثالثة. ويُدرج المشاركون المصابون بالمرض في مراحله المبكرة في السجل الأوروبي لمرحلة ما قبل الإصابة.
وتهدف الخطوات التالية إلى دمج فحص مرض السكري من النوع الأول في مراحله المبكرة ضمن الرعاية الطبية القياسية لعموم السكان. وبالإضافة إلى أوروبا، توجد مبادرات فحص أخرى في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وأستراليا. كما أصدرت إيطاليا تشريعًا لإنشاء فحص وطني للمرض، وتواصل الحكومة والأنظمة الصحية الإقليمية العمل على تنفيذ القانون.
وتأتي هذه الدراسة في وقت يشهد فيه العالم اهتمامًا متزايدًا بالطب الوقائي، حيث تمثل هذه النتائج خطوة مهمة نحو حماية صحة الأجيال القادمة، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية في تعزيز أنظمة الرعاية الصحية الأولية والوقاية من الأمراض المزمنة.