جرينلاند تصبح محور التنافس العالمي للمعادن النادرة والطاقة
تشهد جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك اهتماماً عالمياً متزايداً، بفضل ما تحتويه من ثروات معدنية استراتيجية هائلة تُقدر بـ 36.1 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة، وفقاً لدراسة حديثة لمنظمة الدول العربية المصدرة للبترول "أوابك".
كنوز معدنية استراتيجية
تحتوي الجزيرة على كميات كبيرة من المعادن الحيوية مثل الجرافيت والنحاس والنيكل والزنك والكوبالت، وهي عناصر أساسية لتقنيات الطاقة المتجددة وبطاريات الليثيوم والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية.
وتشير تقديرات وكالة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن حوالي 1.5 مليون طن من هذه المعادن قابلة للاستخراج اقتصادياً، حيث يوجد 37 معدناً من أصل 60 معدناً تصنفها الولايات المتحدة كمعادن حرجة.
مشروع Kvanefjeld الاستراتيجي
يُعتبر منجم "Kvanefjeld" أحد أهم المشروعات المعدنية غير المطورة عالمياً، بإمكانات تشغيلية تمتد لأكثر من 37 عاماً. وفي حال تطويره، سيصبح خامس أكبر منجم لليورانيوم وأحد أكبر مصادر المعادن النادرة في العالم.
غير أن المشروع يواجه تحديات تنظيمية، حيث يحظر قانون برلمان جرينلاند رقم "20" الصادر في ديسمبر 2021 التنقيب عن أي مورد معدني يتجاوز متوسط محتوى اليورانيوم فيه 100 جزء في المليون.
إطار تشريعي جديد
دخل قانون المناجم الجديد حيز التنفيذ في يناير 2024، ليوفر إطاراً تشريعياً أكثر وضوحاً وشفافية لأنشطة الاستكشاف والتنقيب. ويشدد القانون على تسجيل الشركات محلياً وتعزيز مشاركة العمالة المحلية وربط عائدات التعدين بأهداف التنمية طويلة المدى.
التمويل والاستثمارات الدولية
تعتمد جرينلاند بشكل كبير على الدعم الدنماركي البالغ 511 مليون دولار سنوياً، ما يمثل 20% من ناتجها المحلي الإجمالي. وقد قدم بنك التصدير والاستيراد الأميركي قرضاً بقيمة 120 مليون دولار لتطوير مشروع "Tanbreez" للمعادن النادرة في يونيو 2025.
الشراكات الاستراتيجية
وقع الاتحاد الأوروبي وحكومة جرينلاند مذكرة تفاهم في نوفمبر 2023 لإقامة شراكة استراتيجية تهدف إلى تطوير سلاسل قيمة مستدامة للمعادن الحرجة، بما يعزز أمن الإمدادات الأوروبية ويدعم التحول الأخضر.
كما دخلت شركات صينية في شراكات مع حكومة جرينلاند، حيث استحوذت شركة "Leshan Shenghe" الصينية على حصة 10.5% من مشروع منجم "Kvanefjeld" في عام 2016.
النفط والممرات البحرية
رغم توقف أنشطة التنقيب عن النفط منذ 2021 لاعتبارات بيئية، تحتفظ الجزيرة بأهمية استراتيجية بفضل موقعها في القطب الشمالي ومراقبة الممرات البحرية التي قد تصبح طرقاً تجارية مستقبلية بسبب ذوبان الجليد.
التنافس الجيوسياسي
يأتي الاهتمام الأميركي المتزايد بجرينلاند في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الصين التي تستحوذ على 70% من إنتاج المعادن النادرة و90% من عمليات المعالجة عالمياً.
وقد أعلنت الولايات المتحدة في السادس من يناير 2026 عن بدء دراسة الخيارات المطروحة للاستحواذ على الجزيرة، بما في ذلك الخيار العسكري، استناداً إلى مبدأ "مونرو" والاعتبارات الاستراتيجية للأمن القومي.
في المقابل، تسعى الصين لتطوير "طريق الحرير القطبي" الذي أطلقته في 2018، والذي يهدف إلى ربط الصين بأوروبا عبر طرق القطب الشمالي التي تُعتبر أسرع بأكثر من 20 يوماً من الطرق التقليدية.
وبذلك، يعكس التنافس حول جرينلاند توجهاً أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وسلاسل الإمدادات العالمية، في مرحلة تتداخل فيها اعتبارات أمن الطاقة والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق.