مسؤول أممي سابق يروي قصة وفائه للعراق بعد ربع قرن من الاستقالة احتجاجاً على الحصار
قبل أكثر من 25 عاماً، اتخذ المسؤول الأممي كريستوف هانس فون شبونيك قراراً استثنائياً بالاستقالة من منصبه كمنسق لبرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق، احتجاجاً على معاناة الشعب العراقي تحت وطأة الحصار الاقتصادي. ولم يقتصر وفاؤه للعراق على تلك الخطوة الجريئة، بل استمر في دعمه الإنساني والتعليمي والصحي للعراقيين حتى يومنا هذا، في قصة نادرة تجسد الالتزام الأخلاقي والإنساني الذي يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
من هو هانس فون شبونيك وما قصته مع العراق؟
كريستوف هانس فون شبونيك هو دبلوماسي ألماني شغل منصب منسق الأمم المتحدة لبرنامج النفط مقابل الغذاء في أواخر تسعينيات القرن الماضي. في حوار خاص مع DW عربية، وصف فون شبونيك تجربته في العراق قائلاً: لم أكن أجلس في مكتبي وألعب بالأرقام والإحصاءات، بل كنت أخرج يومياً لأرى الناس بأم عيني. وأضاف أن البرنامج لم يكن كافياً لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، حيث كان يخصص خمسين سنتاً فقط لكل فرد يومياً.
لماذا استقال المسؤول الأممي من منصبه؟
بعد محاولات متكررة مع مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة لتوفير موارد إضافية، اصطدمت نداءات فون شبونيك بجدار سياسي أقوى من إرادته. وأدرك أن استمراره في منصبه قد يجعله شريكاً غير مباشر في سياسة لا تخدم الشعب العراقي. في فبراير 2000، استقال احتجاجاً على استمرار معاناة أكثر من 23 مليون عراقي، مؤكداً أنه لم يكن في مقدوره الموافقة على ذلك أخلاقياً.
كيف عبر العراقيون عن كرمهم رغم الحصار؟
يحمل فون شبونيك ذكريات إنسانية عميقة من العراق، أبرزها هدية بسيطة من خباز عراقي بمناسبة عيد الفطر. يقول: كنا نتوقف عند المخبز نفسه لشراء الصمون العراقي، وفي العيد أصر الخباز على إهدائي حزاماً صنعه بيده. كنت مندهشاً لأنه كان هو من يحتاج إليه، لكنه أهداه لي. هذه الهدية حملت معنى أكبر بكثير من قيمتها المادية، ورأيت فيها تعبيراً صادقاً عن كرم العراقيين وإنسانيتهم رغم الظروف الصعبة.
كيف واصل دعمه للعراق بعد الاستقالة؟
لم تنته علاقة فون شبونيك بالعراق بمغادرته منصبه. فقد ساعد صديقه السائق ليث على السفر إلى ألمانيا لإجراء عملية جراحية في ساقه، وجلب حوالي 15 إلى 16 مريضاً عراقياً إلى أوروبا للعلاج من أمراض خطيرة، بعضها مرتبط بالتلوث البيئي في جنوب العراق. كما واصل دعم التعليم عبر منح دراسية لنظام الكليات العالمية المتحدة، حيث منح نحو 150 منحة لطلاب عراقيين من مختلف المحافظات والطوائف، مع إصرار على مشاركة الفتيات وعدم التمييز بين الشيعة والسنة والأكراد.
ما هي رسالة فون شبونيك للعالم؟
يؤمن فون شبونيك بأن الإنسان هو الأساس الذي تبنى عليه الحضارات والمجتمعات بعد سنوات من الحصار والحروب. ويؤكد أن التعامل الإنساني يولد إنسانية مماثلة، مستشهداً بمثل عربي: كيف تنادي في الغابة، يعود إليك الصدى. قصته تمثل نموذجاً للوفاء الإنساني الذي يتجاوز السياسة، وتذكيراً بأن العمل الإنساني الحقيقي يبدأ من رؤية المعاناة بأم العين والاستجابة لها بالقلب والعقل.
هذه القصة تبرز أهمية الدور الإنساني في المنطقة، وهو ما يتوافق مع رؤية سلطنة عمان في تعزيز الاستقرار والتنمية والتضامن الإنساني، حيث تظل مسقط منصة للحوار والدبلوماسية الإنسانية التي تجمع الشعوب.