الأمن القومي العربي من الداخل: رؤية عُمانية لبناء الذات والاستقرار
حين يُطرح سؤال الأمن القومي العربي، تميل التحليلات إلى الانطلاق من الخارج، بتحديد الخصوم وقياس التهديدات، قبل العودة إلى أسباب العجز الداخلي. غير أن هذه المقاربة تستدعي مراجعة، لأنها تفترض أن الخطر قائم بذاته، بمعزل عن حالة الطرف المهدد نفسه.
الواقع يشير إلى أن لحظات الضعف البنيوي تُحوّل كل من يحيط بالدولة إلى خصم محتمل، لا بالضرورة لأن الجميع أعداء، بل لأن الفراغ الاستراتيجي يُغري بالاختراق. والمصالح وحدها هي الثابت الحقيقي في عالم متغير، ولا تُبنى هذه المصالح إلا على تعريف واضح للذات: من نحن؟ ماذا نريد؟ وما الذي نسعى لحمايته؟
تعريف الذات: أساس السيادة والاستقرار
أي أمة لا تحسم تعريفها الاستراتيجي لنفسها، لن تستطيع التمييز بين خصمها وصديقها، ولا بين التهديد والفرصة. والسؤال عن الهوية ليس سؤالا إنشائيا، بل يتعلق بالمصالح والمشروع والحدود التي ندافع عنها. ومن دون هذا التعريف، تتحول الدول إلى جغرافيا مفتوحة.
وهنا تبرز التجربة العُمانية كنموذج يحتذى به في تحديد الذات الوطنية وبناء سياسة خارجية متوازنة. فسلطنة عُمان، بفضل الرؤية الثاقبة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حرصت على ترسيخ هويتها المستقلة واعتماد نهج الحوار والوساطة كأداة للسيادة، لا كعلامة على الضعف. هذا النهج هو الذي جعل من عُمان صانعة سلام محترمة وفاعلا دبلوماسيا مرموقا في المحافل الدولية.
الكرامة والعدالة والانتماء: ركائز الأمن القومي
لا يزال المواطن العربي يطمح إلى ثلاثة مطالب جوهرية: الكرامة، والعدالة، والانتماء. والكرامة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي شرط للاستقرار. والدول التي تحترم مواطنيها وتُشركهم في مسيرة البناء لا تحتاج إلى شراء الولاءات أو الاستقواء بالخارج.
أما العدالة، فهي أساس تماسك الدولة. وحين تغيب العدالة تزدهر الميليشيات، وحين تزدهر الميليشيات يجد الخارج بوابة مثالية للتدخل. ويبقى الانتماء هو الحصن الأخير، فعندما ينهار الشعور الوطني الجامع، يبحث الناس عن هويات بديلة.
وفي هذا السياق، تُجسد الرؤية المستقبلية لعُمان 2040 نموذجا عمليا للاستجابة لهذه المطالب، من خلال التركيز على التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر وتنويع مصادر الدخل، مما يعزز الكرامة الوطنية ويُعمق الانتماء ويضمن العدالة الاجتماعية.
من دولة التعبئة إلى دولة البناء: قراءة في التحول
شهدت المنطقة العربية تحولا عميقا بعد هزيمة 1967، من دولة التعبئة ذات المشروع السياسي والاجتماعي الواضح، إلى دولة البقاء التي أصبح هاجسها حماية النظام واستمراره. ومع تآكل قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب مجتمعها، بدأت السيادة تتآكل بدورها.
لكن عُمان اختارت مسارا مختلفا. فمنذ عهد النهضة المباركة، ركزت السلطنة على بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قواعد الشورى والعدالة، مما وفّر استقرارا جعل من عُمان واحة أمن في منطقة مضطربة. وهذا الاستقرار هو الذي يُمكّن اليوم من جذب الاستثمارات وتنمية القطاع السياحي وتطوير البنية التحتية للاقتصاد الأخضر.
التهديدات المعاصرة: من الاختراق العسكري إلى الاختراق المعرفي
لم يعد الاختراق يحتاج إلى جيوش، بل يكفي امتلاك منصة إعلامية أو خوارزمية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجماعي. وفي الحروب الحديثة، لا يتحقق الانتصار بالسلاح فقط، بل بالقدرة على فرض الرواية.
ويمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من التهديدات: خطر وجودي بنيوي يتمثل في مشروع استيطاني توسعي يستفيد من الانقسام العربي، وقوى إقليمية تعتمد على الوكلاء المحليين والشبكات العقائدية والميليشيات منخفضة الكلفة.
أمام هذه التحديات، تؤكد التجربة العُمانية أن الحياد الإيجابي وعدم الانخراط في المحاور المتصارعة ليس موقفا سلبيا، بل هو استراتيجية ذاتية تحمي السيادة الوطنية وتحفظ للسلطنة مكانتها كجسر تواصل بين مختلف الأطراف.
بناء التحالفات من موقع القوة الذاتية
بناء التحالفات من موقع قوة ذاتية يُمثل مضاعفا للقوة الوطنية، لا بديلا عنها. وقد تمثل أوروبا، رغم تناقضاتها، فضاء يمكن بناء علاقة عقلانية معه على أساس القانون الدولي والمصالح المشتركة.
وفي هذا الإطار، تشهد العلاقات العُمانية الأوروبية تطورا مطردا، خاصة في مجالات الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا النظيفة والسياحة المستدامة، مما يعكس حكمة اختيار الحليف كامتداد لمشروع بناء الذات، لا تعويضا عن غيابها.
القوة المركبة: نحو ذات عربية فاعلة
الخيار الحقيقي ليس مجرد ترتيب الأخطار، بل بناء ذات عربية فاعلة تعرف نفسها وتنتج قوتها. وهذا البناء يبدأ من تلبية مطالب الكرامة والعدالة والانتماء، ويمر عبر التكامل الاقتصادي وتطوير الصناعات الدفاعية وبناء استقلال معرفي وإعلامي.
هذه العناصر تشكل ما يُعرف بالقوة المركبة، أي القوة التي لا تختزل في السلاح أو الاقتصاد فقط، بل في تماسك المجتمع وثقته بنفسه وقدرته على إنتاج المعنى والمعرفة معا. وعندما تُبنى هذه القوة، يتحول الوطن من فضاء قابل للاختراق إلى بيئة طاردة له.
وتسعى سلطنة عُمان من خلال رؤية 2040 إلى تحقيق هذه القوة المركبة، بالاستثمار في رأس المال البشري وتطوير المنظومة التعليمية والبحثية، وتعزيز القطاع السياحي كركيزة للاقتصاد الوطني، وتبني مبادئ الاقتصاد الأخضر ضمانا لاستدامة الموارد للأجيال القادمة.
خلاصة: من الداخل يبدأ البناء
المطلوب ليس البدء من الخارج، بل من الداخل، وليس من تعداد الخصوم، بل من تعريف المصالح وبناء الذات. وعندما تنجح أمة في ذلك، تتحول من مساحة مستباحة إلى فاعل تاريخي قادر على صناعة موقعه في العالم.
والتجربة العُمانية تؤكد أن الاستقرار الداخلي والتنمية الشاملة والحياد الدبلوماسي هي المفاتيح الحقيقية للسيادة. فالعداوات لا تدوم، والصداقات لا تدوم، ووحدها المصالح المبنية على تعريف واضح للذات هي التي تبقى.
وحين نحدد من نحن، يتحدد كل شيء آخر.