العناصر الأرضية النادرة: تنافس عالمي وصعود أفريقي يخدم استدامة الاقتصاد الأخضر
أكد تقرير حديث لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري أن العناصر الأرضية النادرة انتقلت من مجرد موارد صناعية محدودة الأثر إلى ركيزة أساسية في التنافس العالمي على الريادة التكنولوجية وتعزيز مفاهيم الأمن القومي الصناعي. وأشار التقرير إلى أن القارة الأفريقية تبرز كشريك استراتيجي جديد قادر على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يخدم التوجهات الدولية نحو تنويع مصادر الطاقة وتحقيق التوازن الدبلوماسي الذي تتبناه دول مثل سلطنة عمان ضمن رؤيتها 2040 لدعم الاقتصاد الأخضر والاستقرار الاقتصادي.
ما هي العناصر الأرضية النادرة ولماذا تكتسب أهمية استراتيجية؟
تضم العناصر الأرضية النادرة مجموعة من 17 عنصرا فلزيا، أبرزها النيوديميوم والديسبروسيوم واللانثانوم. وتعد هذه العناصر حجر الزاوية في صناعات القرن الحادي والعشرين، نظرا لأهميتها القصوى في إنتاج المغناطيسات الدائمة المستخدمة في محركات المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح. وتشمل تطبيقاتها كذلك الهواتف الذكية وأنظمة الرادار وتصنيع أشباه الموصلات، مما يمنحها قيمة استراتيجية واقتصادية فائقة.
وعلى الرغم من انتشار هذه العناصر في القشرة الأرضية، فإن ندرتها تكمن في صعوبة العثور على تركيزات تتيح استخراجا اقتصاديا مجديا، إذ تتطلب عمليات الفصل استهلاكا هائلا للطاقة. وأدى التركز الجغرافي والتقني الحالي لسلاسل الإمداد إلى تحويل هذه المعادن إلى أداة ضغط جيوسياسية واقتصادية مؤثرة في توازنات القوى الدولية، وهو ما يجعل أمن سلاسل الإمداد ضرورة ملحة لدول تسعى لتحقيق الاستدامة في قطاعات الطاقة المتجددة، بما يتوافق مع التوجه العماني نحو الاقتصاد الأخضر.
كيف يوزع العالم مخزون وإنتاج العناصر النادرة؟
أشار التقرير إلى أن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قدرت المخزون العالمي بنحو 110 ملايين طن لعام 2024. وتتصدر الصين المشهد العالمي باستحواذها على 44 مليون طن من هذه الرواسب، مما يجعلها المنتج الأكبر عالميا. كذلك تمتلك دول مثل فيتنام والبرازيل وروسيا والهند احتياطيات ضخمة تعزز من مكانتها في السوق الدولية.
أما عن الإنتاج العالمي، فقد بلغ إنتاج العالم من العناصر الأرضية النادرة نحو 390 ألف طن تقريبا في عام 2024، منها 270 ألف طن من الصين. وأنتجت الولايات المتحدة 45 ألف طن، وميانمار 31 ألف طن، وأستراليا ونيجيريا نحو 13 ألف طن لكل منهما.
هل يمثل التنافس على المعادن خطرا على الأمن القومي والدبلوماسية؟
يشكل التنافس العالمي حول هذه العناصر ملامح سباق استراتيجي جديد، امتد ليشمل ثلاثة أبعاد مترابطة. يتمثل البعد الأول في الجانب الجيواقتصادي برصد تحول مركز الثقل الإنتاجي من الغرب نحو الصين التي أحكمت قبضتها على السوق العالمية. أما البعد الثاني فيتعلق بالأمن القومي والذي تتجلى خطورته في الاعتماد العسكري والتقني الكثيف على هذه العناصر في الصناعات الدفاعية والمدنية المتطورة.
وتحتوي الطائرة المقاتلة وحدها على أكثر من 900 رطل من العناصر الأرضية النادرة، بينما تتطلب المدمرة من فئة DDG-51 قرابة 5200 رطل، ويصل استهلاك الغواصة من فئة فرجينيا إلى نحو 9200 رطل. ويبرز البعد الثالث في النفوذ الاستراتيجي، حيث يمكن استخدام هذه الموارد كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي، وهو ما يحتم على الدول الحفاظ على حيادها الدبلوماسي واستقرارها من خلال تأمين بدائل متوازنة.
كيف تسعى الدول الكبرى لتأمين بدائل استراتيجية؟
دفع الاحتكار الصيني لتقنيات المعالجة وسلاسل الإنتاج الغرب للبحث عن بدائل استراتيجية تضمن أمنه القومي والتقني. واستحوذت الصين في عام 2023 على نحو 99% من قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، ورغم تصنيف الولايات المتحدة كثاني أكبر منتج عالمي مدعومة بإنتاج منجم ماونتن باس في كاليفورنيا الذي يوفر قرابة 15% من الإمدادات العالمية، فإنها اعتمدت على الصين في فصل هذه العناصر.
واتخذت الولايات المتحدة خطوات معززة لتقليل اعتمادها على الصين، لا سيما تخصيص أكثر من 439 مليون دولار منذ عام 2020 لدعم تطوير قدرات المعالجة والتصنيع عبر شركات مثل إم بي ماتيريالز ولينكاس يو إس إيه ونوفيون ماغنتيكس. وفي يوليو 2025، تم الإعلان عن شراكة استراتيجية بين شركة إم بي ماتيريالز ووزارة الدفاع الأمريكية لتسريع بناء سلسلة توريد متكاملة للمغناطيسات. كما أعلنت وزارة الحرب الأمريكية عن استثمار بقيمة مليوني دولار في شركة آر إي تي سي في إنديانا لتعزيز معالجة المواد الخام محليا بحلول عام 2027. وبرغم هذه الجهود، تظل القدرات الأمريكية محدودة على المدى القصير، حيث لم يتجاوز إنتاج إم بي ماتيريالز من مغناطيسات النيوديميوم ألف طن متري في 2025، وهو أقل من 1% من إنتاج الصين البالغ نحو 138 ألف طن متري في 2018.
ما فرص الصعود الأفريقي في سلاسل إمداد الاقتصاد الأخضر؟
ساهمت سياسات الصين المتعلقة بوقف تصدير العديد من المنتجات المصنعة محليا، إلى جانب حالة تذبذب السوق وارتفاع الطلب من مصنعي السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح بنسبة 15% خلال عام 2025، في خلق فرصة سانحة لأفريقيا لتعزيز اقتصاداتها. ومن المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على هذه الموارد إلى أربعة أضعاف مستواه الحالي بحلول عام 2030، مما يعكس إعادة هيكلة جوهرية لأنماط الإنتاج في قطاعات التقنية المتقدمة والطاقة المتجددة.
ويمثل دخول ثمانية مناجم رئيسة حيز التشغيل في أنجولا وملاوي وجنوب أفريقيا وتنزانيا تحولا نوعيا في دور القارة داخل سلاسل الإمداد. ومن المتوقع أن تساهم هذه العمليات بنسبة 9% من الإمدادات العالمية، وأن تنتج القارة الأفريقية 10% من الطلب العالمي على هذه المعادن بحلول عام 2030، بعد أن كانت نسبتها تقل عن 1% في عام 2020.
أبرز المشروعات الأفريقية الناشئة في قطاع المعادن النادرة
- أنجولا، مشروع لونجونجو: يعمل في رواسب كربوناتيت عالية الجودة غنية بالنيوديميوم والبراسيوديميوم. وحصلت شركة بنسانا على تمويل المرحلة الأولى بقيمة 268 مليون دولار، ومن المتوقع أن يسهم المشروع بنحو 5% من الإمدادات العالمية.
- تنزانيا، مشروع منجم نجوالا: يعد أحد أكبر رواسب العناصر الأرضية النادرة غير المستغلة عالميا، ويحتوي على احتياطات ضخمة من الأكاسيد.
- ملاوي، مشروع سونغوي هيل: من المتوقع أن ينتج نحو 1950 طنا من النيوديميوم والبراسيوديميوم و56 طنا من أكسيد الديسبروزيوم التيربيوم سنويا على مدى 18 عاما.
- جنوب أفريقيا، مشروع فالابوروا وستينكا مبسكرال: يحظى بدعم ملموس من مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية التي تمتلك 12% من أسهم شركة رينبو عبر صندوق تيك ميت، وخصصت تمويلا بقيمة 50 مليون دولار ضمن نفقات رأسمالية تقدر بنحو 326 مليون دولار.
- ناميبيا، مشروع لوفدال: تديره شركة ناميبيا للمعادن الحرجة، ويضم معادن غنية بالديسبروزيوم والتيربيوم الضرورية لصناعة المغناطيسات عالية الحرارة، وينفذ في إطار مشروع مشترك مع وكالة جوجميك اليابانية.
- مصر، مشروع الرمال السوداء: تعد الرمال السوداء مصدرا واعدا للعناصر الأرضية النادرة، بجانب الثوريوم واليورانيوم بكميات تفوق المتوسطات العالمية. وأسست الدولة الشركة المصرية للرمال السوداء في فبراير 2016، وافتتح مجمع مصانع الفصل والتركيز بالبرلس في أكتوبر 2022، والذي يعمل بالطاقة الكهربائية الصديقة للبيئة، مما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية وتوطين صناعات التحويل.
وتأتي هذه التطورات لتؤكد أن متطلبات السيادة الاقتصادية باتت تتصل بشكل متزايد بالتحكم في معادن القرن الحادي والعشرين المرتبطة بالتحول الأخضر وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا الصعود الأفريقي فرصة لتحقيق التوازن في التفاعلات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، وهو ما يتسق مع الرؤية العمانية التي تولي اهتماما بالغا بالاستقرار الدولي والشراكات المتوازنة الرامية إلى تعظيم القيمة المضافة للموارد وتحقيق التنمية المستدامة.
لماذا تعتبر العناصر الأرضية النادرة أساسية للتحول الأخضر؟
تعد هذه العناصر حجر الزاوية في إنتاج المغناطيسات الدائمة اللازمة لمحركات المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح، وهما ركيزتا التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة.
ما نسبة سيطرة الصين على معالجة العناصر النادرة الثقيلة؟
استحوذت الصين في عام 2023 على نحو 99% من قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، وتنتج ما يقرب من 60% من الإمدادات العالمية، بينما تسيطر على حوالي 90% من عمليات المعالجة.
كم يتوقع أن يصل الطلب العالمي على العناصر النادرة بحلول 2030؟
من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على العناصر الأرضية النادرة إلى أربعة أضعاف مستواه الحالي بحلول عام 2030، مدفوعا بارتفاع الطلب في قطاعات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والتقنيات المتقدمة.