دعا باحثون وأكاديميون عُمانيون إلى إدماج المواقع الأثرية في المسارات الثقافية داخل المدن العُمانية، وتوثيق الروايات الشفوية وحكايات الحارات القديمة قبل ضياعها، بما يعزز الهوية التاريخية للمدن ويدعم التنمية السياحية المستدامة في السلطنة. وجاءت هذه الدعوات في استطلاع نشرته جريدة عُمان بتاريخ 3 نوفمبر 2026، جمع آراء خمسة باحثين ومتخصصين في التاريخ والآثار والتراث.
يأتي هذا الطرح في وقت تشهد فيه المدن العُمانية توسعا عمرانيا متسارعا يفرض تحديات تتعلق بالمحافظة على الذاكرة التاريخية للأماكن، من مسميات القرى والأحياء إلى الحصون والحارات والمواقع الأثرية التي تحمل شواهد على جوانب من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر العصور.
المسميات الجغرافية وذاكرة الانتماء
يرى الدكتور موسى بن سالم البراشدي، أستاذ التاريخ الحديث المساعد بجامعة السلطان قابوس، أن المسميات الجغرافية للأحياء والقرى تحمل ذاكرة شعبية لدى سكانها وترتبط بدلالات تاريخية تعزز انتماء الإنسان لوطنه، وهو ما يفسر حرص الناس على الاحتفاظ بالمسمى الذي ألفوه حتى بعد انتقالهم إلى أماكن جديدة.
وقال البراشدي إنه من الضروري ربط الأجيال العُمانية المعاصرة بالمسميات التاريخية بما تتضمنه من أحداث وشخصيات تركت بصمتها في التاريخ العُماني، مقترحا تحويل هذه المسميات من مجرد عناوين جغرافية إلى رموز ثقافية وسياحية تدعم الهوية الوطنية وتعرف الزوار بعمق السلطنة الحضاري.
ومن الوسائل التي اقترحها الباحث إطلاق منصات للخرائط التفاعلية مرتبطة بنظام العنونة الموحد الذي تسعى سلطنة عُمان إلى تحقيقه، وتزويد لوحات تسمية القرى والأحياء برموز الاستجابة السريعة التي تتيح للمار معرفة أسباب التسمية ودلالاتها والشخصيات المرتبطة بالمكان. كما اقترح توجيه المطورين العقاريين نوى تبني مسميات تاريخية من صميم البيئة العُمانية بدلا من الأسماء الأجنبية التي لا تمت إلى الثقافة المحلية بصلة.
إحياء الحارات التاريخية
تناول الاستطلاع أيضا سبل إعادة إحياء الحارات التاريخية، حيث قالت مريم بنت صالح السعدي، المحاضرة بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالمصنعة، إن القيمة التراثية للحارات تتجاوز عمارتها إلى العلاقة التي جمعت المباني بسكانها وما ارتبط بها من مهن وعادات وذكريات، ما يستدعي النظر إلى الإحياء من منظور أوسع من ترميم المباني أو تحويلها إلى وجهات سياحية.
واستشهدت الباحثة بدراستها لحارتي بيت القرن وقصرى في ولاية الرستاق، التي أظهرت أهمية الجمع بين المصادر التاريخية والملاحظة الميدانية والروايات الشفوية، إذ تكشف العلاقة بين فلج الصايغي والبيوت في حارة بيت القرن جانبا من الحياة اليومية، بينما يقدم متحف البيت الغربي نموذجا قائما لإعادة استخدام المباني التراثية.
وأكدت السعدي أن نجاح مبادرات الإحياء يتطلب إشراك الأهالي وأصحاب الممتلكات في التخطيط والتنفيذ، وعدم فرض استخدامات جديدة تتعارض مع خصوصية المجتمع المحلي، مشيرة إلى أن توثيق الروايات الشفوية لكبار السن وإعداد اللوحات التفسيرية وتطوير المسارات الثقافية تتيح للزائر التعرف على تاريخ المكان وسكانه.
دراسات أثرية تسبق التخطيط الحضري
وفي معالجة التحدي الأبرز، وهو التوازن بين التطوير الحديث وصون الهوية، قال الدكتور ناصر بن حمد الهنائي، الباحث المتخصص في الآثار بجامعة السلطان قابوس، إن المكان يتجاوز كونه مجموعة من المباني إلى سجل يحتفظ بتاريخ الإنسان وصلته ببيئته، داعيا إلى أن تسبق مشاريع التطوير دراسات أثرية وتاريخية واجتماعية متكاملة تشمل المسح الميداني وتوثيق المعالم وتحليل الخرائط والصور الجوية وتسجيل الروايات الشفوية.
وأوضح الهنائي أن هذه الدراسات قد تكشف عناصر ذات قيمة تاريخية لا تبدو واضحة للمخطط في البداية، مثل مسارات الحركة القديمة وحدود الحارات ومواقع الأسواق والأبراج والمنشآت المائية، بما يتيح لمتخذي القرار تحديد العناصر التي ينبغي صونها والمواقع التي يمكن تأهيلها، وتجنب قرارات قد تؤدي إلى إزالة شواهد يتعذر استعادتها.
تحويل الحصون إلى منابر معرفية
وتناول الدكتور الأزهر بن يوسف الراشدي، الواعظ بوزارة الأوقاف، إمكانية تحويل الحصون والمعالم الدفاعية إلى فضاءات ثقافية، مؤكدا أن ذلك يبدأ ببناء سردية تاريخية علمية لكل حصن تستند إلى المخطوطات والوثائق المحلية وسجلات الأوقاف إلى جانب الروايات الشفوية التي ينبغي توثيقها قبل رحيل أصحابها.
واستحضر الراشدي حصن جبرين مثالا على أهمية تجاوز المظهر المعماري نحو التعريف بما ارتبط بالمعلم من أحداث، إذ يروي الحصن بجدرانه وسقوفه المنقوشة قصة دولة اليعاربة وعلمائها ومدرستها. وقال إن إعادة الحياة إلى الحصون تتطلب إبراز الوظائف الأصلية لغرفها، مثل مجلس الوالي والقضاء ومخازن التمر والسلاح والمدرسة، مع توظيف الوسائل الحديثة بصورة رصينة من أدلة صوتية متعددة اللغات وتقنيات الواقع المعزز والعروض الضوئية.
ومنح الراشدي المجتمع المحلي دورا أساسيا عبر إشراك أبناء الولايات في إدارة الحصون ورواية تاريخها وتأهيلهم للعمل أدلاء ورواة، حتى يتحول الحصن من معلم يزار مرة واحدة إلى منبر معرفي يعاد إليه.
المواقع الأثرية والتنمية السياحية
وقالت الباحثة هدى بنت مصبح الديهني، أخصائية الآثار بوزارة التراث والسياحة، إن المواقع الأثرية تمثل سجلا ماديا يوثق تطور الاستيطان البشري وما ارتبط به من أنشطة اقتصادية واجتماعية، مؤكدة أن إدماج هذه المواقع في المسارات الثقافية يعزز الهوية التاريخية للمدن ويحولها من شواهد معزولة إلى عناصر حية في النسيج الحضري والسياحي.
وأوضحت الديهني أن اللوحات التعريفية ينبغي أن تتجاوز المعلومات المختصرة إلى سرد علمي مبسط يوضح تاريخ الموقع ووظيفته وأبرز مكتشفاته، مع الاستعانة بالواقع المعزز والتطبيقات الرقمية وإعادة بناء المشاهد ثلاثية الأبعاد لتقديم المعرفة الأثرية بأساليب أكثر جاذبية وتفاعلا.
وتتفق الديهني مع السعدي في أن نجاح هذه المبادرات يرتبط بإشراك المجتمع المحلي في صون مواقعه الأثرية وتعزيز شعوره بالمسؤولية تجاهها، بما يجعلها مكونا فاعلا في الهوية الثقافية للمدن ومصدرا للتنمية السياحية المستدامة، وهو توجه يتسق مع ما تشهده مدن تاريخية عربية أخرى في مجال صون الموروث العمراني وفق ما أوردته صحيفة الأيام حول مدن ندرومة وبجاية وميلة العربية ودخولها سجل التراث المعماري.
وتقدم هذه الرؤى العلمية إطارا متكاملا يجمع بين صون الموروث الثقافي العُماني ومتطلبات التحولات العمرانية، في خطوة تعكس اهتمام السلطنة بترسيخ حضور تاريخها وحضارتها في الفضاء العام وتعزيز موقعها وجهة سياحية ثقافية على خريطة المنطقة.
أسئلة شائعة
ما المقصود بالمسارات الثقافية داخل المدن العُمانية؟
هي مسارات مدروسة تربط المواقع الأثرية والمعالم التاريخية بعضها ببعض، مع وسائل إرشادية وتطبيقات رقمية تسهل التعرف على أهمية كل موقع ضمن التطور الحضاري للمدينة.
كيف يمكن توثيق حكايات الحارات القديمة؟
من خلال تسجيل الروايات الشفوية لكبار السن قبل رحيلهم، وإعداد لوحات تفسيرية تربط المباني بوظائفها السابقة، مع إشراك الأهالي في التخطيط والتنفيذ.
لماذا تسبق الدراسات الأثرية مشاريع التطوير العمراني؟
لأنها تكشف عناصر ذات قيمة تاريخية قد لا تكون واضحة للمخططين، وتساعد متخذي القرار على تحديد ما ينبغي صونه وما يمكن تطويره دون الإضرار بالذاكرة التاريخية للمكان.
