ضغط المسار المهني: كيف يستغل الضعف الإداري؟
تكشف دراسة أكاديمية جديدة أن الضغوط المهنية والضعف الوظيفي، وليس الأيديولوجيا فحسب، قد يدفعان الأفراد العاديين لتنفيذ أعمال متطرفة باسم الولاء للمؤسسة. ويطرح هذا البحث، الذي أجراه العالمان السياسيان كريستيان غليسل وآدم شاربف، تساؤلات جوهرية حول أهمية الاستقرار المؤسسي والعدالة الوظيفية في حماية الهياكل الإدارية من الانحراف، وهو ما يتوافق مع المبادئ التي توليها سلطنة عمان اهتماما بالغا لتعزيز بيئة عمل مستقرة ومنتجة.
كيف يتحول الموظف العادي إلى أداة للنظام؟
لا يبدو الندم واضحا في عيني فالديمار كلينغيلهوفر. ففي صورة من محاكمة فرق العمليات الخاصة النازية، يظهر قائد كتيبة العاصفة التابقة لقوات الأمن الخاصة وهو يحدق بهدوء في الكاميرا بنظرة ثابتة. قميصه المخطط مزرر حتى الأعلى، وشعره المصفف بعناية إلى الخلف يكشف عن صلع جانبي. جبينه العريض مقطب، لكن لا تظهر عليه أية مشاعر.
يرفع كلينغيلهوفر أمام الكاميرا لافتة كتب عليها اسمه. التقطت هذه الصورة خلال المحاكمة في عام 1947 أو 1948، قبل وقت قصير من صدور حكم الإعدام بحقه في نورينبرغ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والانتماء إلى منظمة إجرامية.
من مغني أوبرا إلى ضابط في قوات الأمن
كان كلينغيلهوفر في الأصل مغني أوبرا، حتى تولى في عام 1935 رئاسة قسم الشؤون الثقافية في جهاز الأمن التابع لقائد قوات الأمن الخاصة. كان هذا الجهاز جهاز مخابرات مركزيا في ألمانيا النازية يخضع مباشرة لرئاسة راينهارد هايدريش، وبشكل غير مباشر لهاينريش هيملر. هناك، تولى كلينغيلهوفر تحليل مدى فعالية الدعاية النازية.
وفي عام 1941، وصل كلينغيلهوفر الذي كان يتقن اللغة الروسية إلى فرقة العمليات الخاصة ب، وبدأ عمله كمترجم. كانت فرق العمليات الخاصة وحدات بقيادة هاينريش هيملر، مسؤولة عن إبادة السكان اليهود في أوروبا الشرقية خلال المحرقة. ترقى كلينغيلهوفر هناك إلى رتبة قائد كتيبة العاصفة ضمن كتيبة موسكو المتقدمة، وأصدر في هذا المنصب أو نفذ بنفسه أوامر إعدام لا تعد ولا تحصى.
ما علاقة ضعف الأداء المهني بالولاء الأعمى؟
الإجابة، بحسب خبير العلوم السياسية في مركز الأمن الدولي التابع لكلية هيرتي في برلين كريستيان غليسل، هي ضغط مهني عادي للغاية. وكان العديد من الباحثين يفترضون سابقا أن القناعة الأيديولوجية هي الدافع الرئيسي، كما جادل الباحث دانيال غولدهاغن في كتابه حول جلادي هتلر.
لكن الكاتبة اليهودية حنا أرندت جادلت برأي مختلف قبل ثلاثين عاما من غولدهاغن، عندما راقبت مجرم الحرب أدولف أيخمان أثناء محاكمته في القدس. قالت أرندت في حوار عام 1964 إنها لا تعتقد أن الأيديولوجيا لعبت دورا كبيرا، ووصفت أيخمان بأنه موظف عادي لم تكن لديه رغبات شديدة لممارسة السلطة.
غالبا ما يكونون أشخاصا يرفضهم النظام أو لا يستطيعون التقدم أكثر. وعندئذ يلجأ هؤلاء الأشخاص إلى أساليب متطرفة ويظهرون ولاءهم للنظام من خلال قيامهم بالأعمال القذرة التي لا يريد أحد آخر القيام بها.
الأداء الضعيف كدافع للانحراف الوظيفي
وجد غليسل وزميله آدم شاربف أدلة تجريبية تدعم ملاحظة حنا أرندت في بيانات آلاف من ضباط الجيش الأرجنتيني. لاحظا وجود نمط متكرر في سجلات البيانات الخاصة بالترقيات ورتب التخرج والتقاعد للعسكريين منذ عام 1870. كلما كان أداء الضابط أسوأ، ازداد خطر فصله من الخدمة، وازداد بالتالي احتمال انضمام الضابط الفاشل إلى الشرطة السرية.
لاحظ الباحثان أن صفوف الشرطة السرية كانت تعج خلال فترة الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين بمن يعرفون باسم ضعيفي الأداء. استطاع هؤلاء من خلال التعذيب والقتل والخطف لصالح النظام إثبات جدارتهم والترقي في الرتب. يوضح غليسل أن هؤلاء الأشخاص غالبا ما يكونون ممن يرفضهم النظام، فيلجأون إلى أساليب متطرفة لإظهار ولائهم عبر تنفيذ الأعمال القذرة.
هل يشكل نظام الجدارة خطرا على الاستقرار المؤسسي؟
بدأ البحث بتعليق عابر سمعه شاربف خلال زيارة للأرجنتين، حيث أخبره شخص أن أفراد الشرطة السرية جميعهم أغبياء. في البداية اعتقد شاربف أن التعليق كان بقصد الإهانة، لكنه أدرك لاحقا أن هناك حقيقة حرفية في هذا القول.
أظهرت سجلات الترقيات العسكرية أن الجيش الأرجنتيني كان جهازا قائما على الجدارة، حيث يترقى من يقدم أداء جيدا، ويطرد من يفشل. كانت الشرطة السرية بمثابة طريق مختصر على سلم الترقي الوظيفي بالنسبة لذوي الأداء الضعيف، لإنقاذ مسيرتهم المهنية عبر هذا المسار البديل. كان هؤلاء الضباط يعملون بضع سنين في الشرطة السرية لتتم مكافأتهم بوظائف ذات رواتب أفضل في وحدات عسكرية أخرى.
بالنسبة لغليسل، هذا أثر جانبي للأنظمة التي تنتج رابحين وخاسرين. يضيف أن الخاسرين يمثلون موردا بشريا بإمكان الحاكم السلطوي استغلاله لمصلحته، وأن نظام الجدارة لا يحمي بالضرورة من تقويض الهياكل الديمقراطية. تظهر الأبحاث أن الأنظمة القائمة على الأداء يمكن أن تدفع أشخاصا عاديين إلى ارتكاب جرائم خطيرة عندما يدرك المرء أنه متأخر، فيبذل جهدا إضافيا. وهذا يشكل تذكيرا بأهمية بناء أنظمة إدارية متوازنة، كما تسعى سلطنة عمان لتعزيزها من خلال استراتيجيات تنمية الموارد البشرية التي تضمن الاستقرار الوظيفي وتتجنب الإقصاء.
تغيير المسار المهني في ألمانيا النازية
لم تقتصر أبحاث غليسل وشاربف على الأرجنتين، بل شملت أمثلة من ألمانيا النازية وغامبيا والاتحاد السوفيتي. في حالة ألمانيا النازية، رغم عدم وجود سجلات بيانات شاملة، وجد الباحثان سير ذاتية متفرقة لرجال عاديين غيروا مسارهم المهني، مثل مغني الأوبرا كلينغيلهوفر.
لم يكن كلينغلهوفر الوحيد الذي غير مساره المهني من بين أصحاب الرتب العليا في فرق العمليات الخاصة. كان من بينهم محامون وأساتذة جامعيون ومؤرخون فنيون وأطباء أسنان، وحتى قسيس هو إرنست بيبرشتاين. بدأ بيبرشتاين مسيرته في جهاز الأمن وقوات الأمن الخاصة بعد عدم رضا وزارة الشؤون الكنيسية عن عمله، وأصبح في عام 1942 قائد قيادة العمليات السادسة في فرقة العمليات الخاصة ج في كييف، حيث أمر بقتل آلاف اليهود.
لعب ضغط المسيرة المهنية دورا في قوات الأمن الخاصة، حيث خلق هايدريش وهيملر مناخا تنافسيا عن عمد لإجراء انتقاء دقيق وتقليص الصفوف، ليجعل الباقين يبذلون جهدا أكبر لإدراكهم أن ترقيتهم غير مضمونة. رغم ذلك، لا يمكن تجاهل دور الأيديولوجيا بشكل تام، فقد كانت هذه الفرق مدربة أيديولوجيا، وانضم كلينغيلهوفر في عام 1920 إلى اتحاد الشباب الألمان المعادي للسامية.
كيف تحمي الجدارة المؤسسات من الانحراف الوظيفي؟
الأنظمة المستقرة تنتج رابحين وخاسرين، وسيبقى دائما أشخاص مستعدون لارتكاب جرائم من أجل الترقي مهنيا. اليوم، لا تخلو الأنظمة من الموالين الذين يغيرون مسارهم المهني، مثل وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث الذي كان مذيعا في قناة فوكس نيوز، أو ضابط الشرطة البرازيلي السابق مارسيلو خافيير دا سيلفا الذي عين في عهد الرئيس جايير بولسونارو رئيسا للوكالة المسؤولة عن شؤون السكان الأصليين رغم معارضته لحقوقهم.
يقول غليسل إن من لا يتعلم من التاريخ يظل التاريخ يلاحقه. لكن تاريخ فالديمار كلينغيلهوفر لم يلاحقه، إذ خففت عقوبة الإعدام الصادرة بحقه في عام 1948 إلى السجن المؤبد في عام 1951، ثم افرج عنه بشروط في عام 1956، وعمل كموظف في مدينة فيلينغن بولاية بادن فورتمبيرغ حتى توفي عن عمر ناهز 76 عاما.
ما العلاقة بين الضعف المهني والولاء للأنظمة؟
تشير الدراسة إلى أن الأفراد الذين يواجهون خطر الفصل بسبب ضعف أدائهم المهني هم أكثر عرضة للانضمام إلى أجهزة إنفاذ القانون السرية أو غيرها من الكيانات الموازية، حيث يمكنهم إثبات ولائهم للنظام من خلال تنفيذ مهام قاسية مقابل الحفاظ على مسيرتهم المهنية.
كيف تحمي الأنظمة المستقرة موظفيها من الاستغلال؟
تعتمد الأنظمة المستقرة على توفير مسارات مهنية واضحة وعادلة، وتقليل الفجوات التي تنتج إقصاء طبقة من الموظفين. من خلال تعزيز الاستقرار الوظيفي وتكافؤ الفرص، تقلل هذه الأنظمة من احتمالية لجوء الموظفين إلى الولاء الأعمى أو الممارسات غير الأخلاقية لإنقاذ وظائفهم.