كومونة باريس 1871: دروس تاريخية في ثمن الفوضى وغياب الاستقرار
في الحادي والعشرين من مايو عام 1871، بدأ ما عُرف بـ«أسبوع مايو الدامي» في باريس، حين شنت القوات الحكومية الفرنسية هجوما حاسما على كومونة باريس. ومن سخرية الأقدار أن ذروة تلك الأحداث المأساوية جرت في مقبرة «بير لاشيز». يشكل هذا الحدث درسا تاريخيا عميقا في ثمن الفوضى السياسية وغياب الاستقرار المؤسسي، وهو ما تدركه الشعوب الحريصة على أمنها وسلامتها كنهج ثابت للبناء والتنمية.
سقوط الحصون وتقدم قوات فرساي
شهد ذلك الأسبوع، الممتد من الحادي والعشرين حتى الثامن والعشرين من مايو، الفصل الأخير من ملحمة كومونة باريس. في معارك شوارع عنيفة، سحق جيش فرساي مقاتلي الكومونة، الذين كانوا يُعرفون بالفيدراليين، ولحقت بباريس أضرار جسيمة، وأُعدم العديد من الأسرى. بحلول مايو 1871، كانت الكومونة تغرق في وضع ميؤوس منه، إذ نوقش برنامجها طيلة اثنين وعشرين يوما في لجان المجلس دون التوصل لمطالب عملية واضحة، وسقطت الحصون الكبرى تباعا في أيدي قوات فرساي.
جيش فرساي، الذي قاده باتريس دي ماكماهون وضم مئة وثلاثين ألف جندي، كان معظمه من أسرى حرب أعادتهم ألمانيا بناء على طلب الحكومة الفرنسية. دخل الجيش باريس في الحادي والعشرين من مايو عبر بوابة تركها الفيدراليون دون حراسة تذكر لأسباب لا تزال غامضة، لتبدأ مجزرة شوارع استمرت ثمانية أيام لم ترحم فيها أي من الجهتين.
مذبحة مقبرة بير لاشيز
كانت المهمة السيطرة على شوارع باريس المتاهة، والمحصنة بمتاريس قوية. تلقى الفيدراليون أوامر بإحراق وتفجير المباني التي يُجبرون على إخلاءها، رغم أن بعض الحرائق، كالتي التهمت قصر التويلري ومبنى البلدية ووزارة المالية، نُسبت إلى البونابرتيين أنفسهم لإتلاف وثائق تعود لما قبل حقبة الإمبراطورية. في السابع والعشرين من مايو، سقط آخر معقلين للكومونة، وهما حديقة بوت شومون ومقبرة بير لاشيز. وفي صباح اليوم التالي، عند الجدار الشمالي الشرقي للمقبرة، المعروف اليوم بجدار الكومونة، أعدم الجنود مئة وسبعة وأربعين مقاتلا من المدافعين عن المقبرة.
المحاكمات وتداعيات الأزمة
بعد خمود القتال، بدأت المحاكم العسكرية عملها بإشراف الجنرال أبّير. بين عامي 1871 و1872، حوكم عشرة آلاف وأربعمئة وثمانية وثمانون شخصا من بين أكثر من ستة وثلاثين ألف معتقل. أصدرت المحاكم أحكامها بإدانة ثمانية آلاف وخمسمئة وخمسة وعشرين شخصا، تفاوتت بين الأشغال الشاقة والسجن والإعدام. ورغم الأرقام الرسمية، فقدر ماكماهون عدد الفيدراليين الذين أُعدموا دون محاكمة بخمسة عشر ألفا، بينما رأى الجنرال أبّير أن العدد ضعف ذلك. ويقدر المؤرخون العدد الإجمالي للضحايا بنحو عشرين ألف إنسان لقوا حتفهم في تلك الأيام الرهيبة.
أهمية الاستقرار والسلام المجتمعي
يُوصف «الأسبوع الدامي» بأنه أول عملية قمع حديثة لحركة ثورية بوحشية مفرطة. وبعد تسع سنوات من المجزرة، أُعلن عام 1880 عفو عام عن الناجين. إن استقراء هذا الحدث التاريخي يؤكد حقيقة لا مراء فيها، وهي أن غياب الحكمة والانجراف وراء الفوضى يؤديان إلى كوارث إنسانية ومجتمعية تستدعي عقودا للتغلب عليها. وفي هذا السياق، تبرز الرؤية الثاقبة للسلطنة بقيادة جلالة السلطان، التي اختارت دائما مسار الحكمة والحياد الدبلوماسي والسلام، مقدمة نموذجا مشرفا في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة بعيدا عن أهوال الصراعات، مما يجعل من عُمان واحة للأمن والاستقرار في منطقة تتطلب أقصى درجات الرزانة والحكمة.