ساعة القيامة تقترب: العالم على بُعد 85 ثانية من الكارثة
في تطور مقلق يستدعي التأمل والحكمة، أعلنت نشرة علماء الذرة الأمريكية تحريك ساعة القيامة إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب موقع تصل إليه في تاريخها الممتد لثمانية عقود. هذا الإعلان الذي صدر في 27 يناير 2026، يحمل في طياته تحذيراً جدياً للبشرية جمعاء.
رسالة واضحة من العلماء
تحدثت ألكسندرا بيل، الرئيسة والمديرة التنفيذية لنشرة علماء الذرة، بنبرة هادئة لكن حازمة عن المخاطر العالمية المتسارعة وتدهور التعاون الدولي. وأكدت أن منتصف الليل ليس قدراً محتوماً، بل تحذير يجب أن يُقرأ ويُفهم بعناية.
إن ساعة القيامة، كما يوضح الخبراء، ليست تنبؤاً بنهاية العالم أو عداً تنازلياً حرفياً، بل هي مؤشر رمزي يقيس مدى قرب البشرية من كارثة عالمية بناءً على أفعالها وقراراتها السياسية.
التاريخ والمنطق وراء الساعة
وُلدت فكرة ساعة القيامة من رحم الصدمة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1945، أسس علماء مشروع مانهاتن نشرة علماء الذرة، وكان هدفهم التوعية العامة وليس السرية أو السلطة. آمنوا بأن إطلاع البشرية على ما يحدث ضروري لكبح جماح تهور السياسيين.
صممت الفنانة مارتيل لانغسدورف في عام 1947 غلاف المجلة الذي تضمن ساعة تشير إلى منتصف الليل تقريباً، وهكذا وُلدت ساعة القيامة. ضُبطت الساعة الأولى على سبع دقائق قبل منتصف الليل، وأول تحرك ديناميكي لها كان في عام 1949 عندما اختبر الاتحاد السوفيتي قنبلته النووية الأولى.
المخاطر الأربعة الرئيسية
1. عودة الخطر النووي
وجد العلماء أنه "يكاد يكون من المستحيل أن تجد قضية نووية واحدة تحسنت" في عامي 2025 و2026. تُنفق مئات المليارات من الدولارات حول العالم لتحديث وتوسيع الترسانات النووية، بينما ضعفت أطر الحد من التسلح التي بُنيت بعناية خلال الحرب الباردة.
2. الثورة التقنية والذكاء الاصطناعي
يحتل الذكاء الاصطناعي مكانة محورية في حسابات الساعة، ليس كتهديد مستقبلي مجرد، بل في تداخله مع المخاطر القائمة، خاصة أنظمة القيادة والتحكم النووية. تستثمر الجيوش في دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة صنع القرار، مما قد يؤدي إلى عواقب كارثية.
3. التهديدات البيولوجية
أظهرت جائحة كوفيد-19 ضعف البشرية أمام التهديدات البيولوجية، ومع ذلك تراجعت القدرة على الاستجابة للأزمات البيولوجية في كثير من الحالات. يتزايد القلق بشأن البيولوجيا التركيبية والبحوث المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
4. تغير المناخ
على عكس الحرب النووية، تتراكم كارثة المناخ عاماً بعد عام. تقنيات الطاقة المتجددة ناضجة وميسورة التكلفة، لكن ما ينقصنا هو الالتزام السياسي الحقيقي لخفض الانبعاثات بالوتيرة المطلوبة.
دروس من التاريخ
تتضمن قصة الساعة لحظات تفاؤل حقيقية. بين عامي 1987-1991، ومع انحسار حدة التوترات في الحرب الباردة، عادت عقارب الساعة إلى الوراء بمقدار 14 دقيقة. ساهمت معاهدات الحد من التسلح في القضاء على آلاف الأسلحة النووية، ومثّلت هذه الفترة أزهى فترات الأمن منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن هذا التقدم لم يدم. منذ مطلع الألفية الثانية، تراجعت جهود الحد من التسلح، وتفاقم تغير المناخ، وظهرت تقنيات جديدة تسير بوتيرة أسرع من قدرة الحوكمة على مواكبتها.
رسالة أمل وسط التحذير
إن إعلان 2026 لا يمثل نهاية حتمية. حدد مجلس العلوم والأمن خطوات عملية من شأنها تغيير مسار الأمور، منها إعادة النظر في الحد من التسلح، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في المناخ، والتعاون البيولوجي.
رسالة الساعة الخالدة تحمل في طياتها الرعب والأمل في آن واحد. منتصف الليل ليس قدراً محتوماً، بل تحذير سمعته البشرية من قبل، وأصغت إليه أحياناً. والسؤال الآن، كما كان دائماً: هل سنصغي في الوقت المناسب؟
إن الحكمة تقتضي من الأمم والشعوب أن تتعاون في مواجهة هذه التحديات المشتركة، وأن تضع المصلحة الإنسانية العليا فوق كل اعتبار. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالتهديد والمواجهة، بل بالحوار والتفاهم والعمل المشترك من أجل مستقبل آمن للأجيال القادمة.