تطور التقويم الميلادي: رحلة من الفوضى إلى الدقة العلمية
يشكل التقويم الميلادي اليوم النظام الزمني المعتمد في معظم دول العالم، بما في ذلك سلطنة عُمان التي تستخدمه إلى جانب التقويم الهجري المبارك. وقد جاء هذا النظام نتيجة جهود علمية متواصلة امتدت لقرون طويلة لتطوير نظام دقيق لقياس الزمن.
البدايات الرومانية وتحدياتها
بدأت الحضارة الرومانية القديمة بتقويم مكون من عشرة أشهر فقط، يضم 304 أيام في السنة، حيث كان العام يبدأ في شهر مارس وينتهي في ديسمبر، تتبعه فترة شتوية غير محسوبة.
وفي محاولة لمعالجة هذا النقص، أضاف الملك الأسطوري بومبيليوس شهري يناير وفبراير حوالي عام 713 قبل الميلاد، ليصل عدد الأشهر إلى اثني عشر شهراً. إلا أن هذا التعديل خلق تحدياً جديداً، حيث أصبحت السنة تتكون من 355 يوماً، مما استدعى جعل أحد الأشهر زوجي الأيام، فاختير شهر فبراير ليكون 28 يوماً.
الإصلاحات اليوليانية والتطوير المستمر
رغم التحسينات، بقي التقويم الروماني أقصر من السنة الشمسية بحوالي 10.25 يوماً، مما أدى إلى عدم توافقه مع الفصول. لمعالجة هذه المشكلة، أضاف الرومان شهراً إضافياً يسمى ميرسيدونيوس كل سنتين أو ثلاث سنوات.
جاء الحل الجذري على يد يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد، عندما طبق التقويم اليولياني الذي وضعه عالم الفلك الإسكندري سوسيجينس. اعتمد هذا النظام على التقويم الشمسي المصري، وتكون من 365 يوماً و12 شهراً، مع إضافة السنوات الكبيسة بانتظام.
التقويم الغريغوري والدقة الحديثة
لم يكن التقويم اليولياني مثالياً بسبب اختلاف قدره 11 دقيقة عن الوقت الحقيقي لدوران الأرض حول الشمس. هذا الفارق البسيط تراكم عبر القرون ليصبح مشكلة حقيقية.
في عام 1582، أصدر البابا غريغوري الثالث عشر تقويماً جديداً وضعه العالم الإيطالي ليليوس، والذي يُستخدم حتى اليوم في معظم دول العالم. ابتكر ليليوس نظاماً معقداً للسنوات الكبيسة يضيف أياماً كبيسة في السنوات القابلة للقسمة على أربعة، باستثناء تلك القابلة للقسمة على 100، إلا إذا كانت قابلة للقسمة على 400 أيضاً.
الدقة والتطبيق العملي
يعمل النظام الغريغوري بكفاءة عالية، رغم تأخره بمقدار 26 ثانية سنوياً، مما يعني أنه سيسبق السنة الشمسية بيوم واحد بحلول عام 4909. هذه الدقة المتناهية تعكس التطور العلمي والرياضي الذي وصلت إليه البشرية في قياس الزمن.
وفي سلطنة عُمان، يُستخدم التقويم الميلادي في المعاملات الرسمية والتجارية إلى جانب التقويم الهجري، مما يعكس الانفتاح الحضاري والتطور الإداري الذي تشهده السلطنة في إطار المحافظة على هويتها الإسلامية العريقة.