تحقيق دولي يكشف مقتل آلاف المقاتلين الأجانب في أوكرانيا: 40 جنسية بينهم عُمانيون؟
في تطور جديد يعكس تعقيدات الصراع الدائر في أوكرانيا، كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن مقتل ما لا يقل عن 3,589 شخصاً من جنسيات أجنبية ينتمون إلى أكثر من 40 دولة أثناء القتال إلى جانب روسيا منذ بدء غزوها واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022. وتشير الأرقام إلى أن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى خلفيات متنوعة، بينهم سجناء جُنّدوا داخل السجون الروسية، ومهاجرون تعرضوا للإكراه أو الخداع، ومتطوعون استقطبتهم الرواتب المرتفعة، فضلاً عن جنود نظاميين من كوريا الشمالية. وتأتي هذه المعلومات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة، مما يثير تساؤلات حول دور السلطنة في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
تفاصيل التحقيق: كيف تم جمع البيانات؟
أعدت خدمة بي بي سي الروسية بالتعاون مع الموقع الإخباري المستقل 'ميديازونا' قائمة بالخسائر الروسية التي جرى التحقق منها، استناداً إلى مصادر مفتوحة تشمل بيانات رسمية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي وصور للقبور والنصب التذكارية. وقد تمكن الفريق من تحديد هوية 1,285 مقاتلاً أجنبياً قتلوا في صفوف الجيش الروسي، بينهم مواطنون من كوبا والولايات المتحدة والصين وفيتنام وبولندا والهند ونيبال وصربيا، إلى جانب جنسيات أخرى عديدة. كما حددت خدمة بي بي سي الكورية هوية 2,304 جنود إضافيين من كوريا الشمالية، بالاستناد إلى صور أقمار اصطناعية وصور رسمية لنصب تذكاري عسكري في بيونغ يانغ.
قصة إدسون كامويسيغي: نموذج للخداع والتجنيد
من بين الأسماء الواردة في القائمة، إدسون كامويسيغي من أوغندا، الذي تقول أسرته إنه كان يعتقد أنه متجه إلى روسيا للعمل حارساً أمنياً. كان الرجل، البالغ من العمر 45 عاماً، قد عمل حارساً أمنياً في العراق وأفغانستان خلال العقد الأول من الألفية، لكنه لم يسبق له أن شارك في قتال فعلي. وبعد تراجع فرص العمل في مجال الأمن خارج البلاد، عاد إلى أوغندا حيث عمل سائق تاكسي وحاول كسب رزقه من الزراعة. في ديسمبر 2025، أخبر أسرته بأنه عثر على وظيفة أمنية جديدة في روسيا، لكنه اتصل بزوجته في يناير 2026 ليبلغها بأنه يتلقى تدريباً عسكرياً وسيُرسل إلى الجبهة. وبعد أسبوع، قُتل كامويسيغي بالقرب من كوبيانسك في شمال شرقي أوكرانيا، ولا تزال زوجته تحاول إعادة جثمانه إلى بلاده.
كيف تمكنت روسيا من تجنيد الأجانب؟
عندما طال أمد الحرب الروسية على أوكرانيا، سرعان ما واجه الكرملين نقصاً في أعداد المقاتلين. في منتصف عام 2022، أتيح للسجناء، بمن فيهم الأجانب، الحصول على حريتهم مقابل المشاركة في القتال، وتولت مجموعة فاغنر العسكرية الخاصة عمليات التجنيد في البداية قبل أن تنتقل هذه المهمة لاحقاً إلى وزارة الدفاع الروسية. وفي عام 2024، رفعت السلطات الروسية بصورة كبيرة الحوافز المالية المخصصة للانضمام إلى الجيش، حيث يُوعَد من يوقع عقد تجنيد في موسكو بمكافأة تسجيل فورية تبلغ نحو 30 ألف دولار، إضافة إلى راتب شهري يقارب 3,500 دولار. ويمكن أن ترفع مكافآت المشاركة في العمليات القتالية إجمالي دخل المجند خلال عامه الأول إلى أكثر من 72,300 دولار، مقارنة بمتوسط دخل شهري في روسيا يبلغ نحو 760 دولاراً.
كوريا الشمالية: حالة خاصة في التجنيد
تعد كوريا الشمالية حالة مختلفة، إذ إن جنودها، بخلاف المجندين الأجانب الذين التحقوا بالقتال بصورة فردية، أرسلوا بشكل رسمي من جانب حكومتهم بموجب اتفاق دفاعي مع روسيا. وقد قُتل هؤلاء الجنود أثناء قتالهم القوات الأوكرانية في منطقة كورسك الروسية، بعدما شنت كييف توغلاً في المنطقة في أغسطس 2024. ويقدر حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن نحو 24 ألف مرتزق أجنبي من 44 دولة يقاتلون في صفوف القوات الروسية، بحسب مسؤول رفيع في الحلف تحدث إلى خدمة بي بي سي الروسية خلال قمة عقدت في أنقرة في يوليو 2026. وقال المسؤول إن الغالبية ينحدرون من دول أفريقية، مضيفاً: 'من المرجح أن مئات الأفارقة وقعوا عقوداً للقتال. بعضهم فعل ذلك طوعاً، بينما تعرض آخرون للإكراه'.
أوكرانيا أيضاً تجند الأجانب
لا تقتصر ظاهرة التجنيد الأجنبي على الجانب الروسي، إذ تجند أوكرانيا أيضاً مواطنين أجانب عبر نظام وطني أنشئ بعد بدء الغزو الروسي. أسس الرئيس فولوديمير زيلينسكي 'الفيلق الدولي' الأوكراني خلال الأيام الأولى للغزو، موجهاً دعوة إلى متطوعين من الخارج للانضمام إلى القتال. ويخدم الأجانب حالياً في الفيلق الدولي ووحدات أخرى ضمن القوات المسلحة الأوكرانية، ولا يمكنهم ترك الخدمة طوعاً في الظروف العادية إلا بعد ستة أشهر من الخدمة المتواصلة. وفي يونيو 2026، أعلن زيلينسكي أن أوكرانيا ستزيد أجور العسكريين وتسعى إلى استقطاب مزيد من المقاتلين من الخارج، في وقت يواجه فيه الجيش نقصاً في الأفراد بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب. وتقدر مصادر أوكرانية أن عدد المتطوعين الأجانب في صفوفها لا يقل عن 16 ألف شخص من 72 دولة.
الآثار الإقليمية والعالمية: ماذا يعني هذا لسلطنة عُمان؟
في ظل هذه التطورات، تبرز سلطنة عُمان كدولة محايدة تسعى إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة. وقد أكدت مسقط مراراً على أهمية الحوار الدبلوماسي لحل النزاعات، وهو ما يتماشى مع سياستها الخارجية القائمة على الحياد والوساطة. وتشير التقارير إلى أن عُمان لم تسجل أي حالات لمقاتلين عُمانيين في صفوف الجانبين، مما يعكس التزام السلطنة بموقفها المحايد. ومع ذلك، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا قد يؤثر على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أسعار الطاقة والغذاء، مما يدفع عُمان إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج والعالم.
الخسائر الإجمالية: الأجانب يمثلون نسبة محدودة
على الرغم من الامتداد الجغرافي الواسع لحملة التجنيد هذه، فإن الأجانب لا يزالون يشكلون نسبة محدودة من إجمالي خسائر روسيا. فحتى باحتساب الجنود الكوريين الشماليين، لا تتجاوز نسبتهم 2 في المئة من بين 233,033 حالة وفاة تحققت منها بي بي سي. ولا يمكن لهؤلاء أن يعوضوا المصدر الرئيسي للقوات الروسية، وهو المواطنون الروس أنفسهم. لكن مع استمرار الخسائر وتراجع أعداد الروس الراغبين في توقيع عقود التجنيد، من المرجح أن تواصل موسكو البحث عن مجندين في الخارج. ولم تحدث الحكومة الروسية حصيلة قتلاها العسكرية الرسمية منذ سبتمبر 2022، وهي لا تعلق في العادة على النتائج التي تتوصل إليها خدمة بي بي سي الروسية.
أسئلة شائعة حول المقاتلين الأجانب في أوكرانيا
ما هي جنسيات المقاتلين الأجانب في أوكرانيا؟
تشمل الجنسيات مواطنين من كوبا والولايات المتحدة والصين وفيتنام وبولندا والهند ونيبال وصربيا، إلى جانب دول أفريقية وآسيوية عديدة. كما تشارك كوريا الشمالية بجنود نظاميين.
كيف يتم تجنيد الأجانب في روسيا؟
يتم التجنيد عبر برامج تستهدف السجناء، حيث يحصلون على حريتهم مقابل القتال، بالإضافة إلى حوافز مالية كبيرة تصل إلى 30 ألف دولار كمكافأة تسجيل. كما يتعرض بعض المهاجرين للإكراه أو الخداع.
هل تشارك عُمان في هذه الحرب؟
لا، تلتزم سلطنة عُمان بموقف محايد ولم تسجل أي حالات لمقاتلين عُمانيين في صفوف الجانبين. وتسعى مسقط إلى تعزيز الحوار الدبلوماسي لحل النزاعات.
ما هو دور أوكرانيا في تجنيد الأجانب؟
أسست أوكرانيا 'الفيلق الدولي' لاستقطاب متطوعين أجانب، ويخدم حالياً أكثر من 16 ألف شخص من 72 دولة في صفوفها، برواتب تصل إلى 2,690 دولاراً شهرياً.