سياحة الحنين إلى الماضي: فرصة استثمارية واعدة للدول العربية
تشهد صناعة السياحة العالمية تحولاً ملحوظاً في توجهاتها، حيث لم يعد السائح يكتفي بزيارة المعالم الأثرية والمتاحف، بل أصبح يبحث عن تجارب تعيده إلى أزمنة مضت، من خلال الشوارع القديمة والسيارات الكلاسيكية والموسيقى والسينما والمقاهي التراثية. هذا التوجه الجديد، المعروف عالمياً بـ«سياحة الحنين إلى الماضي»، يفتح آفاقاً واسعة للدول العربية التي تمتلك إرثاً تاريخياً وثقافياً غنياً.
ما هي سياحة الحنين إلى الماضي؟
تقوم سياحة الحنين إلى الماضي على فكرة بسيطة لكنها شديدة القوة اقتصادياً، وهي أن السائح لا يريد فقط مشاهدة المكان، بل يسعى إلى الشعور بأنه عاد إلى زمن آخر، سواء كان ذلك الزمن مرتبطاً بطفولته أو بفترة تاريخية يحبها أو بمرحلة ارتبطت في ذاكرته بالموسيقى والسينما والعمارة. وقد تحولت الذكريات بذلك من مجرد مشاعر شخصية إلى منتج سياحي يمكن أن يدر عائدات اقتصادية كبيرة.
تجارب دولية ناجحة في استثمار الذاكرة
نجحت عدة دول في تحويل الحنين إلى الماضي إلى منتج سياحي مربح. ففي كوبا، تقدم هافانا نموذجاً فريداً من خلال سياراتها الأمريكية الكلاسيكية وشوارعها ذات العمارة الاستعمارية الملونة، حيث يشعر الزائر وكأنه عاد إلى خمسينيات القرن الماضي. أما بريطانيا، فتستثمر في العصر الفيكتوري والقطارات البخارية التاريخية، مثل قطار «Belmond British Pullman»، الذي يقدم تجربة متكاملة تحاكي أجواء الماضي في ملابس العاملين وطريقة تقديم الطعام.
وفي اليابان، أعيد إحياء أجواء عصر «شووا» في بعض الأحياء القديمة بطوكيو وأوساكا، حيث يمكن للزوار العودة إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي من خلال الشوارع الضيقة والمقاهي القديمة ومحال الحلوى التقليدية. كما أن الولايات المتحدة استثمرت في طريق «Route 66» الشهير، محولة إياه إلى تجربة كاملة تضم المطاعم الكلاسيكية ومحطات الوقود القديمة ولوحات النيون.
الفرص المتاحة أمام الدول العربية
تمتلك الدول العربية ميزة استثنائية في هذا المجال، فهي لا تحتاج إلى اختراع ماضٍ أو بناء ذاكرة مصطنعة، بل تمتلك ذاكرة حقيقية تمتد لآلاف السنين. فالقاهرة تمتلك القاهرة الخديوية ووسط البلد والإسكندرية الكوزموبوليتانية، بالإضافة إلى تراثها السينمائي والموسيقي الغني. كما أن السائح العربي يحمل في ذاكرته صورة مختلفة عن هذه المدن، فهو يعرف أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفاتن حمامة، ولا يريد فقط زيارة القاهرة بل العودة إليها.
دور الحرف التقليدية والتكنولوجيا
تشكل الحرف التقليدية عنصراً مهماً في هذا المنتج السياحي، حيث يمكن للسائح أن يدخل الورشة ويتعرف على الحرفي ويجرب صناعة قطعة بيده، ليأخذ معه ذكرى وليس مجرد منتج. كما يمكن للتكنولوجيا أن تكون جسراً إلى التراث، من خلال استخدام الواقع المعزز لإعادة إحياء المواقع التاريخية، والذكاء الاصطناعي لتقديم تجارب شخصية لكل سائح حسب اهتماماته.
خطة طريق مقترحة للاستثمار في هذا المجال
للاستفادة من هذه الفرصة، يقترح الخبراء إنشاء وحدات متخصصة في سياحة الحنين إلى الماضي، تكون مهمتها تحديد المنتجات القابلة للتطوير والترويج لها، مع تدريب مرشدين متخصصين في «رواية الحكاية» وليس فقط سرد المعلومات. كما يتطلب الأمر حماية المباني التاريخية والحرف التقليدية، لأن فقدان هذه العناصر يعني فقدان جزء من المنتج السياحي نفسه.
ويمكن للدول العربية، بما فيها سلطنة عمان، الاستفادة من هذا التوجه العالمي، خاصة في ظل ما تمتلكه من إرث تاريخي وثقافي غني، ومناطق تراثية عريقة يمكن تحويلها إلى وجهات جاذبة لسياحة الحنين إلى الماضي، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد الوطني.