تسريبات البنتاجون حول مخزون الصواريخ.. قراءة في الخطة الأمريكية للانسحاب من المواجهة الإيرانية
في تطور لافت يثير اهتمام المراقبين الدوليين، تتصاعد التسريبات الصادرة من أروقة البنتاجون حول تراجع مخزون الصواريخ الأمريكية، في توقيت يتزامن مع نقاشات محتدمة حول مستقبل الالتزامات الأمريكية في مواجهة إيران. ويرى محللون أن هذه التسريبات قد تكون جزءاً من خطة مدروسة لإعادة رسم السياسة الأمريكية في المنطقة.
ما حقيقة تراجع مخزون الصواريخ الأمريكي؟
نقلت شبكة سي إن إن عن مسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية استنزاف نحو 80% من صواريخ اعتراض منظومة ثاد ونصف مخزون صواريخ باتريوت. غير أن التوقيت الدقيق لهذه التصريحات، وسط حديث متزايد عن ضرورة تقليص الانخراط في الملف الإيراني، يثير تساؤلات حول دوافع الكشف عن هذه الأرقام.
التمييز بين المخزون الحر والمخزون الاستراتيجي
لفهم المشهد بدقة، لا بد من التمييز بين مفهومين أساسيين في العقيدة العسكرية الأمريكية: المخزون الحر القابل للاستهلاك اليومي، والمخزون الاستراتيجي المحتجز لسيناريوهات كبرى. ففي حين تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مخزون موجه لردع تحرك صيني محتمل في مضيق تايوان أو مواجهة مع روسيا وكوريا الشمالية، تترك الإدارة لمساعديها مهمة الإقرار بالعجز الفعلي في الجبهة الإيرانية.
توزيع الأدوار في المشهد السياسي الأمريكي
يبدو المشهد وكأنه مسرحية محكمة التوزيع للأدوار، حيث يخرج ترامب عبر منصته الرقمية لينفي التقارير، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك مستودعات هائلة لا تنضب، بينما يتولى مسئولون مجهولون في البنتاجون مهمة الاعتراف بالعجز الميداني. ويضاف إلى ذلك قرار وزارة العدل بفتح تحقيق عاجل لملاحقة المسربين، ومنح شركات الدفاع مهلة ثلاثة أسابيع لتقديم خطط طوارئ لرفع الإنتاج.
دور مراكز الأبحاث في تغطية القرار السياسي
لم تكن مراكز الأبحاث الموثوقة بمنأى عن هذا التوزيع، إذ قدم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تحليلاً علمياً حول عجز حقيقي في الطاقة الإنتاجية للمصانع الأمريكية، مما يمنح غطاءً أكاديمياً لرواية سياسية تبدو معدّة في الكواليس. وبهذا يظهر الانسحاب في النهاية قراراً تفرضه المعطيات العسكرية، لا اختياراً سياسياً اتخذته الإدارة بمحض إرادتها.
صواريخ توماهوك وتكلفة المواجهة العسكرية
تستغرق صناعة صاروخ توماهوك المجنح، الذي يُطلق بكثافة في البحر الأحمر والخليج العربي، أشهراً طويلة وتتجاوز تكلفته ملايين الدولارات. وهذه الحقيقة تُستخدم بذكاء في الخطاب الأمريكي، إذ يرددها الجنرالات أمام الكونجرس بلغة القلق، والمحللون في وسائل الإعلام بلغة التحذير، لتثبيت فكرة أن أي تراجع ميداني ليس ضعفاً، بل يقع ضمن مجموعة الحسابات الاستراتيجية الكبرى.
التحالفات الجديدة في المنطقة.. إشارات متعددة
في سياق متصل، رحّب الرئيس الأمريكي علناً بتحالف ثلاثي جديد يضم مكة وتركيا وباكستان، في إشارة إلى توجه واشنطن نحو تشجيع الحلفاء على الاعتماد على الذات. ويبدو أن المشهد في صورته النهائية يتجه نحو إعلان لوقف إطلاق النار واستراتيجية حصار طويلة النفس، تراهن على انفجار الأوضاع الداخلية في طهران أكثر من راهنتها على معركة صواريخ لم تعد الإدارة الأمريكية راغبة في خوضها حتى النهاية.
النتيجة العملية.. انسحاب هادئ أم إعادة تموضع؟
وسواء كان النقص حقيقياً أم مبالغاً فيه، فإن النتيجة العملية واحدة لا تتغير: أمريكا تقترب من خط لا تريد تجاوزه بالسحب من المخزون الموجه لتايوان وموسكو، وهو خيار ترفضه القيادة العسكرية جملة وتفصيلاً. ومن هنا يبدو أن ترامب اختار طريقاً أكثر أماناً لفريقه الإداري، عبر توزيع الأدوار بعناية بين من يطمئن الداخل الأمريكي بصورة الجيش الذي لا تنفد ذخيرته، ومن يمهد للحلفاء فكرة ضرورة الاعتماد على الذات، بحيث يبدو الانسحاب في نهاية المطاف خياراً فرضته الظروف لا قراراً سياسياً.