أبرزت دراسة أنثروبولوجية حديثة للباحث زكرياء أقنوش من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس بالمغرب أن تعيين كبار المسؤولين في الإدارة الترابية يخضع لشبكة معقدة من الاعتبارات السوسيولوجية والمؤسساتية، تتجاوز النصوص القانونية لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستقرار وضمان استمرارية الدولة. تقدم هذه المعطيات رؤى مؤسساتية تتفق مع المبادئ الإدارية الرامية إلى تحقيق التوازن بين التحديث الاقتصادي والحفاظ على النسيج الاجتماعي المستقر، وهو نهج تحرص عليه الأجهزة الإدارية في الدول الساعية لضمان استمرارية التنمية.
كيف تتشكل النخبة الإدارية وهندسة المجال؟
كشفت الدراسة، التي تحمل عنوان المصفوفة الرياضية المتحكمة في تعيينات الإدارة الترابية، عن توجه الدولة المغربية لتعزيز الحضور التكنوقراطي داخل الإدارة عبر استقطاب كفاءات من مدارس الهندسة والإدارة والمؤسسات العمومية. وينسجم هذا التوجه مع توسيع اختصاصات التنمية والاستثمار على المستوى الجهوي، وهو ما يقلص مساحات المبادرة السياسية للنخب المنتخبة، ويجعل الإدارة فضاء تقنيا يخضع لمنطق النجاعة والمؤشرات. إن هذا التحول يمنح الدولة قدرة أكبر على قيادة المشاريع الاستراتيجية وضمان استمرارية تنفيذها بعيدا عن التجاذبات الحزبية.
هل يقدم الاستقرار الاجتماعي على النجاعة التقنية؟
أكد الباحث زكرياء أقنوش أن الكفاءة التقنية لا تشكل وحدها المحدد الأساسي في اختيار كبار المسؤولين، إذ تظل رهانات الاستقرار والسلم الاجتماعي حاضرة بقوة في هندسة التعيينات. يفضل النسق الإداري المسؤول القادر على إدارة التوازنات المحلية بحذر وتجنب القرارات المفاجئة التي قد تفضي إلى توترات ميدانية. تعكس هذه الأولوية حقيقة مؤسساتية مفادها أن كلفة الاضطرابات الاجتماعية تبقى أعلى من كلفة تباطؤ بعض المشاريع، مما يجعل الحفاظ على الأمن الترابي شرطا سابقا لأي مشروع تنموي.
ما دور الثقة المؤسساتية والوساطة في التعيينات؟
أظهرت الدراسة أن مسارات الولوج إلى مناصب الولاة والعمال تتداخل فيها الكفاءة الأكاديمية مع شبكة من العلاقات المؤسسية التي وصفتها بالرعاية العمودية. تتشكل مسارات الترقية عبر تراكم الثقة المؤسساتية والقدرة على الاندماج في الثقافة التنظيمية للدولة. وما أسماه الباحث العراب الإداري يعبر عن آلية غير رسمية لنقل الخبرة والقيم الإدارية بين الأجيال المتعاقبة من رجال السلطة، مما يضمن إعادة إنتاج منظومة القيم القائمة على التحفظ والانضباط والامتثال للخيارات الاستراتيجية للدولة، ويقلل من احتمالات ظهور مراكز قرار محلية مستقلة.
ولم تغفل الدراسة موقع الأعيان والوجهاء المحليين، الذين عرفتهم الدراسة كوسطاء اجتماعيين يساهمون في امتصاص التوترات وتسهيل تنفيذ السياسات العمومية على المستوى المحلي. إن نجاح المسؤول الترابي يرتبط بقدرته على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين المحليين بما يضمن استقرار المجال.
كيف يضمن الفحص الاستعلاماتي انسجام المسؤولين؟
أولت الدراسة حيزا مهما لمرحلة الفحص الاستعلاماتي، معتبرة أنها الحلقة الأخيرة في تقييم المرشحين لتولي مناصب المسؤولية الترابية. تخضع ملفاتهم لعملية غربلة تتجاوز تقييم الكفاءة المهنية لتشمل الموثوقية المؤسساتية والاستقرار السلوكي والقدرة على تدبير الملفات الحساسة. التقارير الأمنية لا تنحصر في رصد المسار الإداري للمرشح، بل تمتد لتقييم شبكة علاقاته وقدرته على الحفاظ على التحفظ المطلوب في المناصب السيادية.
يظل معيار الثقة المؤسساتية متقدما على الاعتبارات التقنية الصرفة، لأن الإدارة تعتبر الكفاءات التقنية قابلة للتطوير عبر التكوين والخبرة الميدانية، بينما يصعب تعويض غياب الموثوقية أو اختلال الانسجام مع العقيدة التدبيرية للمؤسسة. وقد أوصى الباحث بتوسيع الدراسات السوسيولوجية الخاصة بصناعة النخب الإدارية وتفكيك شبكات العلاقات غير الرسمية المؤثرة في صناعة القرار.
ما هي المصفوفة الرياضية في تعيينات الإدارة الترابية؟
هي مفهوم أكاديمي يقترحه الباحث زكرياء أقنوش لوصف الشبكة المعقدة من الاعتبارات السوسيولوجية والمؤسساتية غير المعلنة التي تحكم تعيين كبار المسؤولين، حيث تتقاطع معايير الكفاءة مع اعتبارات الثقة والولاء وتدبير التوازنات المجالية لضمان استمرارية الدولة.
هل لا تزال التوازنات المجالية حاضرة في التعيينات الحديثة؟
نعم، تشير الدراسة إلى أن التوازنات القبلية والمجالية ما تزال عنصرا حاضرا في تدبير بعض المجالات ذات الخصوصية الاجتماعية أو الجيوسياسية، وذلك دون أن يتعارض مع مسار تحديث الإدارة، بل كآلية لضمان السلم الاجتماعي وتسهيل تنفيذ السياسات العمومية.