رواندا والسنغال تنضمان للمسار النووي الأفريقي الجديد
في خطوة تعكس تطور سياسات الطاقة في القارة الأفريقية، أعلنت رواندا والسنغال في 25 نوفمبر 2025 عن انضمامهما إلى التعهد الدولي لمضاعفة القدرة النووية ثلاث مرات بحلول 2050، مما يشير إلى مرحلة جديدة في مسار الطاقة النظيفة بالقارة السمراء.
تحول جذري في استراتيجيات الطاقة
يأتي هذا الإعلان في سياق التحولات الجارية في أفريقيا، حيث لا ينبع التطور من أزمة انقطاع الكهرباء فحسب، بل من فجوة تتسع بين طموح دول تسعى إلى نمو صناعي مستقر ومنظومات إنتاج هشة ترهقها ضغوط التحضر والتقلبات المناخية.
وقد ساعد صعود المفاعلات الصغيرة المعيارية، إلى جانب تنوع موردي التقنية بين الشرق والغرب، في فتح الباب أمام دول لم تكن قادرة سابقا على التفكير في البرامج النووية واسعة النطاق.
الجذور التاريخية للمسار النووي الأفريقي
تشير السجلات إلى أن علاقة أفريقيا بالمجال النووي بدأت في وقت مبكر مع تشغيل الكونغو الديمقراطية أول مفاعل بحثي عام 1959، ثم تتابعت محاولات متعددة شملت مصر وجنوب أفريقيا والجزائر وليبيا وغانا ونيجيريا والمغرب.
وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل، بقي معظم المسار النووي الأفريقي محدودا في نطاق البحث العلمي، دون أن يتحول إلى قدرة إنتاجية واسعة باستثناء تجربتي مصر وجنوب أفريقيا.
الرؤية الاستراتيجية لرواندا والسنغال
تتحرك رواندا، الواقعة عند نقطة التقاء شرق أفريقيا ووسطها، ضمن رؤية تنموية طويلة المدى، حيث اختارت المفاعلات الصغيرة المعيارية لأسباب تتجاوز البعد التقني الصرف. فمع محدودية شبكات النقل وارتفاع تكاليف البنية التحتية التقليدية، تمنح هذه المفاعلات الدولة قدرة على نشر إنتاج مركزي مرتبط بمناطق صناعية محددة.
أما السنغال، الدولة الساحلية المفتوحة على المحيط الأطلسي، فترى في البرنامج النووي جزءا من استراتيجية أوسع لرفع موثوقية الشبكة وتقليل الاعتماد الأحادي على الغاز البحري، مع تعزيز قدرة البلاد على خدمة الموانئ والمناطق الصناعية النامية.
التحديات والفرص المستقبلية
يطرح السؤال الجوهري حول قدرة أفريقيا على إدارة المشاريع النووية تحديات حقيقية تتجاوز التكنولوجيا إلى بنية الحوكمة وقدرة المؤسسات واستقرار التمويل واتساق القرار السياسي.
فالبرنامج النووي يتطلب منظومة حوكمة دقيقة تشمل هيئات رقابية مستقلة وقوانين تتماشى مع معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونظم أمان فيزيائي وسيبراني وقدرات بشرية محلية قادرة على التشغيل والمراقبة.
نحو مستقبل طاقي مستدام
يمثل إدراج رواندا والسنغال ضمن المسار النووي العالمي انتقالا هادئا لكنه جوهري من إدارة الأزمات إلى بناء خيارات طاقية مستقرة، ومن انتظار حلول خارجية إلى طرح تصور أفريقي يعيد تعريف دور الطاقة داخل المشروع التنموي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التوازن بين الطموح التنموي والواقعية في التنفيذ، خاصة مع الحاجة إلى ضمان الشفافية والمساءلة في إدارة هذه المشاريع الاستراتيجية.
إن نجاح دول القارة في هذا المسار سيكون مرتبطا بقدرتها على تحويل المشاريع النووية من اختبار تقني إلى مقياس نضج سياسي ومؤسسي، مما يفتح آفاقا جديدة لتطوير سياسات الطاقة في أفريقيا خلال العقود القادمة.