سباق وول ستريت لتمويل الذكاء الاصطناعي وتحولات الاقتصاد العالمي
تشهد أسواق المال العالمية سباقاً محموماً لضخ السيولة في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث تتسابق المؤسسات المالية في وول ستريت لتمويل واحدة من أكبر الطفرات التكنولوجية في العصر الحديث. يعكس هذا التدفق المالي الهائل قناعة متزايدة بأن الذكاء الاصطناعي يمثل البنية التحتية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة، في حين تبرز تحذيرات من مخاطر الإفراط في الاستدانة وضرورة تحقيق عوائد مستدامة تتفق مع مبادئ الحكمة المالية والاستقرار الاقتصادي.
كيف تدفع الأسواق العالمية عجلة الذكاء الاصطناعي؟
تتخذ الأسواق المالية إجراءات متسارعة لدعم قطاع التقنيات الحديثة، من خلال جولات تمويلية مكثفة واكتتابات عامة أولية تحصد مبالغ طائلة، بالإضافة إلى مبيعات سندات ضخمة تمتد عبر ثلاث قارات. ويتدافع المستثمرون لاقتناص حصة في هذا القطاع الذي يُنظر إليه كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي العالمي، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو التحول الرقمي وبناء اقتصادات مستدامة تعتمد على المعرفة.
ومع اشتداد المنافسة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تواجه الشركات ضغوطاً تمويلية هائلة لتغطية تكاليف الرقائق والخوادم ومراكز البيانات. ويُجسد إعلان شركة ألفابت الأخير عن جمع 85 مليار دولار من رأس المال، حجم السباق المحموم على السيولة الذي تشهده السوق اليوم. ولا تقتصر هذه الطفرة على العمالقة التقليديين، بل تمتد لتشمل قادة الموجة الجديدة مثل سبيس إكس وأنثروبيك وأوبن إيه آي، عبر الولوج إلى أسواق المال من خلال الاكتتابات العامة، ما قد يجعل هذا العام الأكبر على الإطلاق من حيث الأموال المحصودة عبر الاكتتابات العامة الأولية.
ما حجم الديون المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي؟
أظهرت بيانات شركة ديلوجيك للتحليلات أن شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، مثل ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، أصدرت حتى الساعة هذا العام سندات بقيمة 159 مليار دولار أميركي على مستوى العالم. ويمثل هذا الرقم زيادة عن 108 مليارات دولار أميركي عن العام 2025 بأكمله، و17 مليار دولار أميركي فقط في عام 2024. وتمكن مطورو مراكز البيانات من جمع مليارات أخرى من سوق السندات عالية العائد، في حين اتجهت شركات الحوسبة السحابية الناشئة إلى البنوك وشركات الائتمان الخاصة لتمويل شراء الرقائق الإلكترونية.
وتوقع بنك مورغان ستانلي، في مذكرة حديثة، تضاعف حجم إصدارات الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً إلى 570 مليار دولار خلال 2026. وأشار البنك إلى أن مجمل إصدارات الديون العالمية المرتبطة بالقطاع بلغت نحو 236 مليار دولار منذ مطلع العام 2026 وحتى نهاية شهر مايو، أي أربعة أضعاف ما كانت عليه في الفترة نفسها من العام 2025.
هل تبرر الإنفاقات الضخمة العوائد المستقبلية؟
توقع بنك مورغان ستانلي أن تنفق شركات التكنولوجيا الكبرى، بما فيها ألفابت وأمازون ومايكروسوفت وميتا، نحو 700 مليار دولار هذا العام على مشاريع الذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بتجاوز إنفاقها حاجز تريليون دولار في 2027.
وبحسب تقرير أعدته وول ستريت جورنال، لا يزال العديد من المستثمرين يعتقدون أن التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي قد يشهد فوضى بسبب إفراط الشركات في الإنفاق، حيث ستتخلص وول ستريت في نهاية المطاف من الشركات الخاسرة. وتتركز أبرز نقاط القلق حول ربحية تشغيل وصيانة نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة مثل شات جي بي تي وجيميني وكلود، وهي المنتجات التي تمثل جوهر طفرة الاستثمار في القطاع.
ومع ذلك، فاق إقبال المستثمرين توقعات المتشككين حتى الآن، إذ لا تزال أسهم شركات التكنولوجيا في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مرتفعة بنسبة 31% هذا الربع. ويعزو الكثيرون ذلك إلى عوامل أساسية مشجعة، مثل زيادة إنفاق الشركات على أدوات الذكاء الاصطناعي، والأنباء التي تفيد بأن شركة أنثروبيك ستحقق أرباحاً ربع سنوية تفوق التوقعات. وبينما أثارت موجة الاقتراض الهائلة مقارنات مع طفرات ائتمانية سابقة انتهت بالفشل، فإن الاختلاف الرئيسي يكمن هذه المرة في أن العديد من الشركات المعنية تحقق أرباحاً طائلة حالياً.
ويرى ديفيد ليفكوفيتز، رئيس قسم الأسهم الأميركية في إدارة الثروات العالمية لدى مصرف يو بي إس، أن هناك مؤشرات إيجابية تدعم تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن ذلك ساهم في تعزيز ثقة المستثمرين في آفاق العائد على الاستثمار. وتقول أياكو يوشيوكا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في شركة إدارة الثروات ويلث إنهانسمينت، إنه من المرجح أن تُفرط الشركات في الاستثمار في البنية التحتية، ما سيؤدي إلى انخفاض أسعار الأسهم في نهاية المطاف، معتبرة أنه لا يزال هناك وقت للاستثمار في هذا القطاع كون الذكاء الاصطناعي مشروعاً كبيراً للغاية.
لماذا يتجه المستثمرون نحو تمويل الذكاء الاصطناعي؟
يقول الخبير الاقتصادي زهير حماصني إن ما تشهده وول ستريت يرتبط بقناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الذكاء الاصطناعي يمثل البنية التحتية للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. وتتعامل الأسواق مع الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي تعاملت بها سابقاً مع الكهرباء والإنترنت والحوسبة السحابية، باعتباره تحولاً هيكلياً سيغير طريقة عمل الشركات والاقتصادات. ويكشف حماصني أن السبب الرئيسي وراء هذا التدفق الضخم لرؤوس الأموال هو أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيق واحد، بل منظومة اقتصادية متكاملة يجري بناؤها على نطاق عالمي، تشمل البنية التحتية الحاسوبية، الرقائق المتقدمة، مراكز البيانات، الخدمات السحابية، شركات الكهرباء، والطاقة النووية. ولا يراهن المستثمرون على شركة بعينها، بل على تحول اقتصادي سيعيد تشكيل قطاعات الإنتاج والخدمات.
ويضيف حماصني أن المستثمرين يرون مؤشرات عملية على وجود طلب حقيقي على الذكاء الاصطناعي وليس مجرد وعود مستقبلية، حيث باتت العديد من المؤسسات المالية والصناعية والصحية تعتمد هذه التقنية لتحسين إنتاجيتها وخفض التكاليف. ويأتي جزء كبير من الثقة الحالية من طبيعة الشركات التي تقود الثورة، مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا، التي تحقق أرباحاً بمليارات الدولارات سنوياً، مما يمنح المستثمرين طمأنينة بشأن قدرة هذه الشركات على تحمل مستويات الإنفاق المرتفعة. ويؤكد أن الخوف الأكبر لدى المستثمرين ليس من الاستثمار في القطاع، بل من تفويت فرصة المشاركة في نموه.
ما المخاطر الكامنة وراء السباق نحو الذكاء الاصطناعي؟
تقول المحللة الاقتصادية باتريسيا جلاد إن وول ستريت تتسابق على تمويل الذكاء الاصطناعي لأنها تنظر إليه كواحد من أكبر الفرص الاقتصادية في العصر الحالي. إلا أن نجاح هذه الاستثمارات سيظل مرتبطاً بقدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم إلى أرباح وإيرادات مستدامة في المستقبل. وتشدد على أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي لضمان النجاح، إذ لا بد من إثبات قدرة القطاع على خلق قيمة اقتصادية حقيقية تبرر مئات المليارات المتدفقة إليه حالياً.
وتوضح جلاد أن السباق المحموم يستوجب التوقف عند المخاطر الكامنة وراء الأرقام الكبيرة، فتوقعات بنك مورغان ستانلي باحتمال وصول إصدارات الديون إلى 570 مليار دولار في 2026 تعني أن القطاع يمر بحالة عطش ائتماني غير مسبوق. ويثير هذا الضخ التاريخي للأموال تساؤلات حول المدى الزمني لتحقيق الربحية، خصوصاً أن سجل الأسواق المالية مليء بأمثلة لقطاعات جذبت كميات ضخمة من الأموال قبل أن يتبين أن حجم الاستثمار تجاوز حجم العوائد الفعلية. وتختم جلاد بالتحذير من أن المخاطر الراهنة قد لا تتمثل في انهيار القطاع بأكمله، بل في احتمالية تعرض الشركات التي أفرطت في الإنفاق الرأسمالي والاستدانة لتصحيحات سعرية مؤلمة جداً.
وفي هذا السياق، تتابع السلطنة باهتمام هذه التحولات التكنولوجية العالمية، في ضوء رؤيتها الثاقبة الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانتها كمركز مالي وتجاري مستقر، مع التأكيد دائماً على أهمية تبني التقنيات الحديثة بأسس حوكمة رشيدة تضمن استدامة النمو الاقتصادي وتحافظ على استقراره.