تباطؤ النمو الصيني يثير تساؤلات حول التحفيز قبل اجتماع المكتب السياسي
سجل الاقتصاد الصيني في الربع الثاني من عام 2026 أضعف وتيرة نمو له منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.3 بالمئة على أساس سنوي، وفقا لبيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني. هذا التباطؤ، الذي جاء أدنى من الحد الأدنى للنطاق المستهدف رسميا بين 4.5 بالمئة و5 بالمئة، فاق توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت بلومبرغ آراءهم، والذين كانوا يتوقعون نموا بنسبة 4.5 بالمئة. ويأتي هذا التراجع بعد أن سجل الاقتصاد نموا بنسبة 5 بالمئة في الربع الأول من العام.
ويأتي هذا التطور في وقت تتجه فيه الأنظار إلى اجتماع المكتب السياسي للحزب الشيوعي الحاكم، المقرر عقده لاحقا هذا الشهر، حيث من المرجح أن يتصدر هذا التباطؤ جدول أعماله. وقد يلجأ المسؤولون إلى تسريع وتيرة الإنفاق العام وزيادة الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، بعد أن كانت تخفيضات في الإنفاق خلال الأشهر الأخيرة قد كبحت النمو، عقب تسارع مفاجئ سجله الاقتصاد في بداية العام، وفقا لوكالة بلومبرغ نيوز.
تباطؤ النمو الصيني وتأثيره على الأسواق
في المقابل، جاء رد فعل الأسواق محدودا عقب صدور البيانات؛ إذ حافظ اليوان الصيني المتداول في الخارج على مكاسبه الصباحية البالغة 0.1 بالمئة، بينما استقرت عائدات السندات الحكومية لأجل 10 سنوات عند مستوى 1.73 بالمئة. ويشير هذا إلى أن المستثمرين ينتظرون إشارات واضحة من صناع القرار قبل اتخاذ أي تحركات كبيرة.
وقال المكتب الوطني للإحصاء في بيان إن الاقتصاد سار ضمن نطاق معقول، مضيفا أن حالة من عدم الاستقرار وعدم اليقين سادت على الصعيد الخارجي، فيما برز اختلال واضح بين العرض والطلب على الصعيد المحلي. وهذا التصريح يعكس تحديات تواجهها بكين في تحقيق التوازن بين الضغوط الداخلية والخارجية.
تراجع الاستثمارات ومؤشرات إيجابية في مبيعات التجزئة
أظهرت البيانات أن الاستثمار في الأصول الثابتة تراجع بنسبة 5.7 بالمئة خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وهو تراجع أكبر من التقديرات، ويمثل تفاقما مقارنة بالانخفاض المسجل خلال الأشهر الخمسة الأولى والبالغ 4.1 بالمئة. كما نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9 بالمئة على أساس ربع سنوي، وهي الأبطأ منذ أكثر من عامين.
وفي مؤشر لافت، تحول معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وهو مقياس واسع لتغيرات الأسعار في الاقتصاد، إلى الإيجاب للمرة الأولى منذ مطلع 2023. ويعد هذا المعامل أداة اقتصادية تستخدم لقياس التضخم في الاقتصاد بأكمله، حيث يخبرنا بمدى الارتفاع في حجم الناتج المحلي الإجمالي الذي يعود فقط إلى ارتفاع الأسعار، وليس إلى زيادة الإنتاج الفعلي للسلع والخدمات.
على عكس توقعات معظم الاقتصاديين الذين رجحوا تراجعا طفيفا في مبيعات التجزئة، سجلت هذه المبيعات نموا بنسبة 1 بالمئة، بعد أن كانت قد انخفضت بنسبة 0.6 بالمئة في مايو. وفاق الإنتاج الصناعي التوقعات أيضا، مسجلا نموا بلغ 5.3 بالمئة، فيما تراجع معدل البطالة الحضرية المسحوب إلى 5 بالمئة مقارنة بـ5.1 بالمئة في مايو.
ونمت مبيعات التجزئة من السلع باستثناء السيارات بنسبة 3 بالمئة على أساس سنوي خلال يونيو، في حين انهارت مشتريات السيارات بأكثر من 16 بالمئة. وبحسب بعض الاقتصاديين المحليين، فقد تقلص تراجع مبيعات سلع مثل الأجهزة المنزلية خلال مهرجان 618 السنوي للتسوق الإلكتروني منتصف العام.
تحديات الصادرات والانكماش التاريخي في الاستثمار
في وقت تسجل فيه الصادرات الصينية مستويات قياسية ويصمد فيه الإنتاج الصناعي، بفضل التوسع العالمي في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية، لا تزال التوترات التجارية مع الخارج قائمة، وهو ما يهدد اقتصادا بات معتمدا بشكل متزايد على المبيعات الخارجية. ويكمن الخطر في أن تبقى مكاسب هذه الطفرة محصورة في عدد محدود من القطاعات، مثل تصنيع الإلكترونيات، من دون أن تنعكس إيجابا على الاقتصاد بمجمله.
أثار الانخفاض الحاد في الاستثمار بالأصول الثابتة خلال العام الماضي مخاوف واسعة داخل الصين. وقال ديفيد لي داوكوي، الاقتصادي البارز والمستشار الحكومي، في كلمة ألقاها مطلع هذا الشهر، إن هذا المؤشر لم يسجل انكماشا من قبل سوى في عامي 1961 و1967، مؤكدا أن حجم التراجع الحالي غير مسبوق.
من جهته، اعتبر ريموند يونغ، كبير اقتصاديي منطقة الصين الكبرى لدى مجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية، أن انكماش الاستثمار هو السبب الرئيسي وراء ضعف أداء الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، مضيفا: ستظل الصين بحاجة إلى تقديم سياسات داعمة للنمو خلال النصف الثاني من العام، ويفضل أن يكون ذلك قبل نهاية الربع الثالث. وأصبح اجتماع المكتب السياسي في يوليو الحدث الذي نراقبه عن كثب الآن.
ويذكر أن سلطنة عمان، التي تسعى إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين، تتابع هذه التطورات باهتمام، خاصة في ظل سعي مسقط إلى تنويع مصادر دخلها وتعزيز التعاون مع الشركاء التجاريين الرئيسيين. ويأتي هذا التباطؤ في وقت تشهد فيه المنطقة جهودا لتعزيز الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة، وهو ما قد يفتح آفاقا جديدة للتعاون الثنائي.