الحب وتوأم الروح: ماذا يقول العلم الحديث؟
في عصرنا الحالي، تثير فكرة "توأم الروح" تساؤلات عديدة حول طبيعة الحب والعلاقات الإنسانية. فهل يوجد حقاً شخص واحد مقدر لكل منا في هذه الحياة؟ أم أن الأمر أكثر تعقيداً مما نتصور؟
جذور المفهوم التاريخية
تشير الدراسات التاريخية إلى أن مفهوم "توأم الروح" له جذور عميقة في التراث الإنساني. ففي اليونان القديمة، تخيل أفلاطون أن البشر كانوا في الأصل كائنات مكتملة، لكن الآلهة شطرتهم نصفين، ومنذ ذلك الحين يبحث كل نصف عن نصفه الآخر المفقود.
وفي العصور الوسطى، أعاد شعراء التروبادور وحكايات الملك آرثر صياغة هذا المفهوم في صورة "الحب العذري"، حيث كان الفارس يضحي بنفسه في سبيل محبوب قد لا يستطيع حتى إعلان حبه له علناً.
النظرة العلمية المعاصرة
يرى فيرين سوامي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة أنجليا راسكين، أن الفهم الأوروبي المعاصر للحب الرومانسي تعود جذوره إلى أوروبا في العصور الوسطى. ويوضح أن هذه القصص رسخت، للمرة الأولى، فكرة اختيار شخص واحد ليكون رفيقاً دائماً.
ويضيف سوامي: "قبل ذلك، كان بإمكان الإنسان أن يحب أكثر من شخص، وكان الحب مفهوماً مرناً ومتعدد الأشكال".
الفرق بين القدر والاجتهاد
من جانبه، يميز جيسون كارول، أستاذ دراسات الزواج والأسرة في جامعة بريغهام يونغ، بين مفهومي "توأم الروح" و"الشخص المنشود". ويشرح قائلاً: "يمكن العثور على توأم الروح ببساطة، فهو موجود سلفاً ومعد مسبقاً. أما الشخص الأوحد فهو علاقة يصنعها شخصان معاً، عبر سنوات من التكيف والاعتذار والتحمل بصبر".
وبهذا المعنى، لا يكون الحب مسألة العثور على قطعة ناقصة، بل ثمرة جهد مشترك يبنى ببطء عبر الزمن.
معتقدات القدر مقابل معتقدات النمو
تشير الأبحاث العلمية إلى وجود نوعين من المعتقدات حول العلاقات: معتقدات القدر التي تؤمن بأن العلاقة الصحيحة ينبغي أن تسير بسلاسة ومن دون جهد، ومعتقدات النمو التي تركز على ما يمكن للشريكين فعله لإنجاح العلاقة وتطويرها.
وقد أظهرت دراسات واسعة أن الأشخاص الذين يؤمنون بأن العلاقات "مقدر لها أن تكون" كانوا أكثر ميلاً إلى التشكيك في التزامهم بعد وقوع خلافات، بينما أصحاب النظرة القائمة على النمو كانوا أكثر تمسكاً بعلاقاتهم.
الكيمياء والرابطة الصدمية
تحذر فيكي بافيت، مدربة العلاقات في لندن، من الخلط بين الكيمياء الحقيقية والرابطة الصدمية. وتوضح: "عندما تكون هناك كيمياء قوية وشرارة كبيرة، فقد يرتبط ذلك أحياناً بإعادة تنشيط أنماط قديمة غير صحية".
وتضيف: "المسألة تتعلق بالتمييز بين ما إذا كانت الكيمياء التي أشعر بها تعني أن هذا الشخص متوافق معي فعلاً، أم أنها مجرد إحساس مألوف بالقلق".
المنظور الرياضي
من الناحية الرياضية، طور الدكتور غريغ ليو خوارزمية للتوافق توصل من خلالها إلى أن المسألة لا تتعلق بوجود "شخص واحد" فقط، بل بوجود عدد من "الأشخاص المنشودين".
وتظهر محاكاته أنه من النادر جداً أن يكون شخصان الخيار الأول المتبادل لكل منهما، لكن كثيرين يجدون أنفسهم ضمن الخيار الثاني أو الثالث لدى الطرف الآخر.
أفعال الانتباه اليومية
تشير أبحاث جاكي غاب من الجامعة المفتوحة إلى أن الرضا عن العلاقة لا يرتبط أساساً بالأفعال الرومانسية الكبرى، بل بما تسميه "أفعال الانتباه اليومية" مثل تقديم فنجان شاي في السرير أو قطف أزهار برية.
وفي استطلاعها، اختارت 22 في المئة من الأمهات هذه اللفتات الصغيرة ضمن أبرز عاملين يجعلانهن يشعرن بالتقدير، متقدمة بذلك على السهرات الفخمة أو الهدايا الباهظة.
خلاصة علمية
تشير المعطيات العلمية إلى مفارقة مثيرة للاهتمام: الأشخاص الذين ينتهون بعلاقات يشعرون أنها "مقدرة على نحو فريد" هم غالباً أولئك الذين كفوا عن انتظار القدر، والتفتوا إلى الإنسان الناقص أمامهم، وقرروا صنع شيء جميل معاً.
وكما يقول كارول: "أنا مرتاح تماماً لفكرة التطلع إلى علاقة فريدة ومميزة، ما دمنا نتذكر أنها تحتاج إلى أن تصنع".
في النهاية، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان توأم الروح موجوداً، بل كيف يمكن لشخصين أن يصبحا "الشخص المنشود" لبعضهما البعض من خلال الجهد المشترك والالتزام المتبادل.