نشرت جريدة الرؤية العمانية يوم 7 نوفمبر 2026 مقالًا تحليليًا بعنوان «المحافظة المنتجة.. ماذا لو أعطينا المكان فرصة أن يفكر؟»، تدعو فيه إلى إعادة تعريف دور المحافظات العُمانية في التنمية، من نطاق جغرافي تستقبل المشروعات الحكومية إلى فاعل اقتصادي يشارك في اكتشاف الفرص وصياغة المستقبل.
ويأتي هذا الطرح في سياق الاهتمام المتزايد داخل السلطنة بأدوار المحافظات ضمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وبالتحولات التي تشهدها الإدارة المحلية، حيث أصبحت العلاقة بين التنمية الوطنية والتنمية المحلية أكثر حضورًا في النقاش العام.
من الوجهة الإدارية إلى الشريك التنموي
يفرّق المقال بين تصورين للمحافظة: الأول ينظر إليها بوصفها وجهة للإنفاق العام، والثاني يراها مصدرًا للمعرفة والموارد والمبادرات والقيمة الاقتصادية. ويوضح أن الحديث عن «المحافظة المنتجة» لا يعني اختزال دورها في النشاط التجاري أو قياس نجاحها بحجم الإيرادات، فالمحافظة تبقى فضاءً اجتماعيًا وإداريًا، ومسؤولية الدولة في ضمان الخدمات الأساسية والعدالة الاجتماعية لا تُستبدل بمنطق الجدوى التجارية.
بل المقصود، وفق الكاتب، محافظة لا تكتفي باستقبال المشروعات، بل تسهم في تحديد أولوياتها، وربط مواردها بفرص الاستثمار، وتطوير الشراكات التي تحول الإمكانات المحلية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
المورد وحده لا يصنع قيمة مضافة
يشدد المقال على أن وجود المورد، سواء كان ثروة طبيعية أو مقومات سياحية أو منتجات زراعية وحرفية، لا يمثل في ذاته فرصة اقتصادية مكتملة. فقد تمتلك منطقة إنتاجًا زراعيًا متميزًا دون مرافق التصنيع والتخزين والتسويق، أو مقومات سياحية استثنائية دون خدمات قادرة على إطالة إقامة الزوار. والسؤال التنموي الحقيقي، كما يطرحه الكاتب، لا يتعلق بما تملكه المحافظة وحده، وإنما بما تستطيع فعله بما تملكه.
وتتيح الجغرافيا العُمانية مجالًا واسعًا لهذا التفكير؛ فمحافظة ظفار لا تختزل إمكاناتها في موسم الخريف، إذ تمتلك موارد زراعية وبحرية وموقعًا لوجستيًا وتاريخًا تجاريًا وثقافيًا، بينما تطرح مسندم بخصوصيتها البحرية فرصًا تختلف عن المحافظات الداخلية، وتتداخل في الباطنة الأنشطة الساحلية والزراعية والصناعية والخدمية.
الشرقية نموذجًا: من الصيد إلى سلسلة القيمة
يضرب المقال مثالًا من قطاع الثروة السمكية، وهو قطاع تحظى به ولايات ساحلية عُمانية عدة، ولا سيما في محافظة جنوب الشرقية. فالولاية الساحلية ذات النشاط الملحوظ في الصيد قد تبقى مساهمتها محدودة إذا اقتصر دورها على إنزال الأسماك وبيعها في صورتها الأولية. أما إذا ارتبط النشاط بخدمات التبريد والتخزين والتصنيع الغذائي والتعبئة والنقل والتسويق والتدريب الفني، فإن سلسلة القيمة تصبح أكثر تنوعًا وتنشأ حولها فرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ويشير الكاتب إلى أن بناء هذه المنظومة لا يستلزم إقامة جميع مراحلها في الولاية نفسها، فقد يكون توزيع الأنشطة بين عدة ولايات أكثر كفاءة، ما يستدعي تخطيطًا محليًا قادرًا على التفكير خارج الحدود الإدارية الضيقة.
ماذا لو أعطينا المكان فرصة أن يفكر؟
يجيب المقال عن سؤال عنوانه بأن المعرفة التنموية لا توجد في المؤسسات المركزية وحدها، بل تتوزع بين السكان والمنتجين ورواد الأعمال والجامعات والمؤسسات المحلية. فالمزارع يعرف تحديات الإنتاج، وصاحب المؤسسة الصغيرة يعرف العقبات التي تحد من توسعه، والشاب الباحث عن عمل يمتلك تصورًا عن المهارات والفرص التي يحتاجها.
غير أن المشاركة المجتمعية، كما يحذر الكاتب، لا تحقق أثرها بمجرد عقد الاجتماعات، وقد تتحول إلى إجراء شكلي إذا لم ترتبط بصلاحيات واضحة وموارد قابلة للتوظيف ومسؤوليات محددة. فالمطلوب هو انتقال من المشاركة بوصفها مناسبة للاستماع إلى المشاركة بوصفها جزءًا من دورة التخطيط والتنفيذ والتقييم.
تجارب إقليمية مستوحاة
وقد سبقت التجربة المصرية إلى مفهوم مشابه، حيث أطلقت الدولة المصرية مبادرة «القرية المنتجة» التي تستهدف إنشاء مجمعات صناعية في ألف قرية بحلول عام 2030 تنفيذًا لتوصيات منتدى مصر 2026، وفق ما أوردت صحيفة اليوم السابع، حيث تحمل المبادرة بعدًا اجتماعيًا إلى جانب هدفها الاقتصادي من خلال توسيع فرص العمل والإنتاج أمام الأسر الريفية. وفي تطبيق ميداني حديث، أفادت بوابة البلد بتنفيذ المبادرة الرئاسية في قرى كفر البطيخ وفارسكور بمحافظة دمياط، في إطار دعم المبادرات التنموية التي تستهدف تمكين القرى اقتصاديًا وتشجيع الصناعات الصغيرة.
لكن المقال العُماني، وهو الحلقة السادسة في سلسلة بدأت بتجربة الصين في تحويل القرى إلى مجتمعات منتجة، يخلص إلى أن نجاح نموذج في بيئة معينة لا يضمن نجاحه في أخرى، وأن القيمة الحقيقية للتعلم تكمن في فهم المبادئ التي صنعت التجربة لا في استنساخ نتائجها.
التمويل والمساءلة والإنسان في قلب المعادلة
يخصص المقال مساحة للعلاقة بين التمويل والمساءلة، مؤكدًا أن التمويل المحلي ينبغي أن يرتبط بأهداف واضحة ونتائج قابلة للتقييم، مع التمييز بين الاستثمار التنموي والإنفاق الخدمي. كما يلفت إلى موقع الإنسان داخل العملية التنموية، فالمحافظة المنتجة لا تعني فقط زيادة إنتاج السلع والخدمات، بل توسيع قدرة السكان على المشاركة في النشاط الاقتصادي والاستفادة من عوائده، وربط الاستثمار بالتعليم والتدريب وريادة الأعمال.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية عند النظر إلى الشباب الذين يغادرون ولاياتهم بحثًا عن فرص التعليم والعمل، إذ ليس المطلوب إقناعهم بالبقاء لمجرد الارتباط العاطفي بالمكان، وإنما بناء اقتصاد محلي يوفر خيارات مهنية واقعية تقلل من الاضطرار إلى الهجرة بسبب غياب البدائل.
ويختم المقال بالتأكيد أن المحافظة المنتجة ليست التي تنفق أكثر أو تمتلك موارد أكثر، وإنما التي تستطيع تحويل ما لديها من موارد ومعرفة وطاقات بشرية إلى فرص مستدامة، وتعرف كيف تربط نجاحها بنجاح غيرها ضمن منظومة وطنية واحدة.
