حذرت جريدة عُمان في تحليل مطوّل نشرته في 5 نوفمبر 2026 من أن إسناد التفكير إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي دون ضوابط قد يحرم المجتمعات من مهارة الحكم المستنير، وخصت بالذكر المؤسسات التعليمية والديمقراطية التي تحتاج إلى مواطنين قادرين على طرح الأسئلة قبل البحث عن الإجابات.
يأتي هذا التحذير في وقت تتصاعد فيه المناقشات العربية حول أثر هذه التقنية على العقل البشري، إذ ناقشت الجزيرة نت مؤخرا ما إذا كانت سهولة إنجاز المهام الذهنية بواسطة الآلة تجعل الإنسان أقل قدرة على التحليل، بينما طرحت صحيفة الرأي تساؤلا مشابها حول تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة إنجاز إلى شريك حاضر في تفاصيل العمل والتعليم والحياة اليومية، كما أوردت صحيفة الرأي.
من ثورة العلم إلى ثورة الآلة: درس التاريخ
يستند التحليل المنشور في جريدة عُمان إلى مقارنة تاريخية دقيقة. ففي القرن الثامن عشر حسمت حركة التنوير مسألة عمرها قرون حول مصدر المعرفة، إذ استقر الرأي على أن المعرفة تأتي من العلماء البشر الذين يعملون عند أطراف كل ما هو معروف، مسلحين بالملاحظة الدقيقة والرياضيات والتجريب والمنطق.
ويشير التحليل إلى المؤرخ ستيفن شابين الذي وصف تلك المرحلة بأنها ثورة اجتماعية بقدر ما كانت ثورة فكرية، لأن المجتمعات بدأت تعيد صياغة قيمها المشتركة حول فكرة أن البحث والدقة من الفضائل، وأخضعت مؤسساتها العليا لمعايير البحث العلمي.
والديمقراطية، وفق هذا الطرح، هي النظام السياسي الذي يعكس هذا التحول أكثر من غيره، لأن مبدأ السيادة الشعبية يفترض قدرة كل فرد على المقارنة بين المرشحين والمقترحات السياسية والتوصل إلى استنتاجه المستنير الخاص.
ما الذي تفعله الآلات فعلا؟
يقر التحليل بأن إنجازات الذكاء الاصطناعي ملموسة ولا يمكن إنكارها. ففي سبتمبر، استغرق أحد نماذج شركة OpenAI أقل من أسبوع لحل مسألة رياضية حيرت العلماء لعقود، كما تعمل هذه الأنظمة فعليا على تحديد مضادات حيوية جديدة مرشحة من خلال البحث في مساحات كيميائية شديدة الاتساع يستحيل على أي فريق بحثي بشري استكشافها.
وفي عدد متزايد من المجالات تنتج الآلات معلومات جديدة بشكل مستقل. لكن ملاحظة جوهرية ترد في نص جريدة عُمان: ما لا تستطيع الآلة فعله هو تحديد الأسئلة التي تستحق أن تُطرح، أو النتائج التي تستحق أن نلاحقها، أو نوع المستقبل الذي ينبغي أن نسعى إلى بنائه.
وتكمن أعظم مهارات الذكاء الاصطناعي في التعرف على الأنماط، أي مقارنة المدخلات لتحديد الإجابة. أما الأسئلة الكبرى التي تواجهها المجتمعات، مثل كيفية التخفيف من حدّة الاستقطاب السياسي أو الموازنة بين المراقبة والحريات المدنية أو متطلبات العدالة في مجتمع تعمقه أوجه التفاوت، فلا يمكن إسنادها إلى جهات خارجية، لأن أيا منها لا يوجد له حل واحد، وهي تتطلب حكما بشريا وسياقا لا يستطيع غير البشر في المجتمعات إدراكه والشعور به.
تحذيرات متزامنة من الاستسلام المعرفي
التحليل العماني ليس صوتا معزولا. فقد نقلت منصة جولة تحذير مهندس في شركة Anthropic مما اسماه الاستسلام المعرفي، داعيا إلى مساءلة الذات عبر أسئلة مثل: هل وضعت فرضية أولية قبل سؤال النظام؟ وما المهارات التي لم أعد أمارسها بسبب الاعتماد عليه؟ وهل أستخدم الأداة لمساعدتي على التفكير أم أنها أصبحت تفكر نيابة عني؟
كما نبهت صحف عربية أخرى إلى مخاطر جانبية مختلفة، إذ أشار تحليل منشور على سما نيوز إلى إمكانية تأثير الشركات على وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يتخذون القرارات نيابة عن المستخدمين، بحيث تُرشَّح منتجات وخدمات معينة دون أن يعرف أصحاب القرار أن هناك من تدخل لتوجيهها.
الخيار الذي يواجه المجتمعات
يعود التحليل إلى تجربة الإنترنت كمثال سابق. فمع انتشار الشبكة في كل مكان، اضطرت المجتمعات إلى التوصل إلى كيفية استيعاب مزيد من المعلومات مع حماية الحقيقة في الوقت ذاته، وإلى إيجاد سبل تضمن أن الاقتصاد الرقمي يخدم المصلحة العامة وليس فقط مصالح الشركات وأرباحها.
وفي المقابل، جلبت التقنيات الرقمية فوائد كبيرة موثقة في النص: المكتبة العامة الرقمية الأمريكية التي كفلت الوصول إلى الكتب غير المتوفرة في بعض المناطق، وأداة Wayback Machine التابعة لأرشيف الإنترنت، وويكيبيديا التي أتاحت مجانا ثروة من المعرفة الجماعية، وأكاديمية خان التي وظفت التقنية لإتاحة التعليم على نطاق واسع.
لكن الفرق، كما يوضح التحليل، جوهري: الإنترنت غمرتنا بالمعلومات، صحيحها وكاذبها، بينما يعرض علينا الذكاء الاصطناعي الاستعانة بمصادر خارجية لإجراء التحليل بالكامل. وهنا يأتي التحذير الصريح: ينبغي مقاومة هذا الإغراء، لأن الإجابات مهما كانت طريقة استخلاصها ليست على ذات القدر من قيمة الرؤى، ولا يجوز أن نجعل المنتَج أعلى قيمة من عملية التعلم والاكتشاف.
مبادرة بقيمة 500 مليون دولار
على المستوى العملي، يذكر النص أن مؤسسة ماك آرثر تدعم، جنبا إلى جنب مع تسعة ممولين آخرين، مبادرة Humanity AI بقيمة 500 مليون دولار، بهدف ضمان بقاء الإنسانية في صميم تطوير الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، مع تركيز رئيسي منذ البداية على مجالي الديمقراطية والتعليم.
وخلاصة الطرح أن الذكاء الاصطناعي قد يمكّن من خلق عالم أفضل وأذكى وأكثر أمانا، لكن ذلك مشروط بتذكر أنه بُني على أساس مراجعة الأقران والجامعات البحثية العامة، وأن من غير الممكن أن تحل منتجات الثورة العلمية محل العمليات والمبادئ التي أوجدتها، فهذه العملية ثمينة ويجب حمايتها.
أسئلة شائعة
ما الخطر الأساسي الذي حذرت منه جريدة عُمان؟
الخطر هو استبدال الآراء المستنيرة بإجابات يولدها الذكاء الاصطناعي، ما يوقف مشاركة المواطنين التي تتغذى عليها المؤسسات التعليمية والديمقراطية.
ما الذي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله؟
لا يستطيع تحديد الأسئلة التي تستحق أن تُطرح ولا نوع المستقبل الذي ينبغي بناؤه، لأنه أداة للتعرف على الأنماط وليس صاحب حكم أو سياق إنساني.
ما المبادرة المذكورة لضمان بقاء الإنسان في صميم التطوير؟
مبادرة Humanity AI بقيمة 500 مليون دولار، تدعمها مؤسسة ماك آرثر مع تسعة ممولين آخرين، وتتركز على الديمقراطية والتعليم.
