نشرت جريدة الرؤية العمانية يوم 4 نوفمبر 2026 تحليلًا مطولًا بعنوان من يُشكِّل وعي المجتمع؟ يطرح سؤالًا يتجاوز الإعلام التقليدي إلى صميم التحوّل الرقمي: من يحدد القضايا التي تستحق انشغال المجتمع، ولماذا تستحوذ المواضيع السطحية على النقاش بينما تتراجع الأولويات الوطنية إلى الصفوف الخلفية؟
تشير الجريدة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت طرفًا مؤثرًا في توجيه الاهتمامات وصناعة الأولويات، بعد أن كان وعي المجتمع يتشكل عبر المجالس والمقاهي ووسائل الإعلام التقليدية وحدها. وتخلص إلى أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات لترتيب المنشورات، بل أدوات تسهم في تشكيل الصورة التي نرى بها العالم.
اقتصاد الانتباه وصناعة النجومية الزائفة
يوضح التحليل أن صناعة النجومية الزائفة لم تعد سلوكًا فرديًا يبحث عن المتابعين، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي يستثمر انتباه المستخدمين ويحوّله إلى مكاسب مادية هائلة. فالخوارزميات تعيد ترتيب المحتوى استنادًا إلى مؤشرات التفاعل من مشاهدات وإعجابات وتعليقات ومشاركات، بصرف النظر عن جودة المضمون وأهميته.
وفي هذا السياق، يرصد تقرير نشره موقع الهرم المصري نيوز خطورة التضليل الرقمي باعتباره أداة لتفكيك وعي المجتمع وبث الفتنة، وهو ما يتقاطع مع ما تطرحه الرؤية من مخاوف بشأن تضخيم الآراء وإضعاف النقاش المتوازن.
ويلفت التحليل العماني إلى أن تكرار ظهور قضية معينة يجعلها أكثر حضورًا في الأذهان، وقد توحي كثرة تداولها بأنها تمثل الأولوية الأولى للمجتمع حتى إن لم تكن كذلك. وبالمقابل، تتراجع قضايا التعليم والعمل والاقتصاد والهوية الوطنية، ليس لضعف أهميتها، بل لعدم قدرتها على منافسة المحتوى المثير في استقطاب التفاعل.
سلطة الأرقام وغرف الصدى
يحذّر الكاتب من تحوّل أرقام الانتشار إلى مصدر للشرعية والتأثير، إذ يُعامل صاحب المتابعين الكثر باعتباره مرجعًا بصرف النظر عن مستواه التعليمي أو خبراته أو موثوقية ما يطرحه. كما تشير الجريدة إلى أن غرف الصدى، التي يتعرض فيها المستخدمون باستمرار لمضامين متشابهة، قد تعزز الانغلاق الفكري وتعمق الاستقطاب.
ويرى التحليل أن الجمهور شريك في صناعة الرأي العام الرقمي؛ فالتعليق الغاضب وإعادة النشر بدافع الاستنكار والانخراط في المشاحنات كلها سلوكيات توسع انتشار المحتوى الذي ينتقده أصحابه. وبذلك لا يعود المستخدم مجرد متلقٍ، بل عنصرًا في تحديد ما ينتشر وما يتراجع.
وتتسع هذه النقاشات إقليميًا؛ فقد تناول البروفسور حسّان فلحه في مقال نشره موقع تواصل نيوز صراع الأنا والنحن ودور الفرد والمجتمع في تشكيل الوعي والحرية الذاتية، في تأملات تلتقي مع السؤال العماني حول حدود الفرد في صناعة الوعي الجمعي.
السياق العماني: رؤية 2040 وبناء المجتمع المعرفي
تكتسب هذه المسألة في سلطنة عمان أهمية خاصة، كما تؤكد الرؤية، في سياق بناء مجتمع معرفي ينسجم مع مستهدفات رؤية عمان 2040 ويحافظ على الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي. فالرأي العام الوطني ليس مجرد انعكاس لما يتداوله الناس، بل قوة مؤثرة في تشكيل المواقف وتحديد الأولويات المجتمعية.
وتشدد الجريدة على أن ترك النقاش العام رهينة الإثارة ومؤشرات التفاعل الرقمي يفتح الباب أمام فوضى في ترتيب الأولويات، لتتصدر الخلافات العابرة والمشاحنات السطحية المشهد على حساب القضايا الوطنية والتنموية التي تستحق اهتمام المجتمع ونقاشه الجاد.
الحل المقترح: منظومة وطنية لرفع جودة النقاش العام
لا تكتفي الرؤية بالتشخيص، بل تقترح خارطة طريق عملية تبدأ بتطوير مؤشر دوري يرصد تنوع المحتوى الرقمي ونسبة حضور الموضوعات المعرفية والتنموية ومستوى تداول المعلومات المضللة ومدى وصول المبادرات المجتمعية إلى الجمهور.
- تعزيز الشفافية بشأن معايير التوصية الخوارزمية وإتاحة خيارات أوسع للتحكم في المحتوى المقترح.
- مضاعفة منصات التحقق من المعلومات وقياس سرعة تصحيح الشائعات ومدى تراجع إعادة نشرها.
- توفير مساحات عرض للقضايا الوطنية والمعرفية تصل بها إلى الجمهور بدل الاكتفاء بانتظار منافستها للمحتوى المثير.
ويؤكد التحليل أن حماية الوعي المجتمعي لا تعني فرض ما ينبغي للناس أن يفكروا فيه، بل ضمان قدرتهم على الاختيار والمقارنة والتحقق، وألا تتحول مؤشرات المشاهدة إلى سلطة تحدد قيمة القضايا والأشخاص.
وتشير الرؤية في ختام تحليلها إلى أن صناعة الرأي العام أصبحت نتيجة تفاعل معقد بين المنصات وخوارزمياتها وصناع المحتوى والجمهور، محذرة من أن الوطن الذي يريد أن يصنع مستقبله بالمعرفة لا ينبغي أن يترك صناعة وعيه رهينة لمن يملك مفاتيح الانتشار.
أسئلة شائعة
كيف تؤثر الخوارزميات على الوعي المجتمعي؟
تعيد الخوارزميات ترتيب المحتوى وفق مؤشرات التفاعل، فتدفع المواضيع المثيرة إلى الواجهة وتترك القضايا الجادة خارج دائرة الاهتمام، بحسب تحليل جريدة الرؤية العمانية.
ما العلاقة بين الموضوع ورؤية عمان 2040؟
يربط التحليل جودة النقاش العام بمستهدف بناء مجتمع معرفي يحافظ على الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي، وهو من الأسس التي تقوم عليها رؤية عمان 2040.
ما الحلول المقترحة لحماية الرأي العام الرقمي؟
تقترح الرؤية بناء منظومة وطنية تشمل مؤشرًا دوريًا لرصد المحتوى، وتعزيز شفافية معايير التوصية، ومضاعفة منصات التحقق من المعلومات، وتوفير مساحات عرض للقضايا الوطنية.
