أطفال غزة يغنون للحياة في القاهرة: كورال الناجين من الحرب يبعث رسالة أمل
في قاعة إيوارت التاريخية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تحول التصفيق هذه المرة إلى استقبال لأصوات خرجت من بين الركام، تحمل ذاكرة الحرب وإصرار الحياة. عشرات الأطفال الفلسطينيين الناجين من حرب غزة وقفوا للمرة الأولى على خشبة المسرح ليعلنوا ميلاد 'كورال الأطفال الناجين من الحرب'، في مبادرة أطلقتها سفارة دولة فلسطين لدى مصر بالتعاون مع هيئة إنقاذ الطفولة. تهدف المبادرة إلى تحويل الموسيقى إلى مساحة آمنة يستعيد فيها الأطفال أصواتًا حاولت الحرب إسكاتها.
المشهد كان مختلفًا، فالأغنيات التي صدحت داخل القاعة لم تكن مجرد أهازيج وطنية أو تراثية، بل شهادات إنسانية غناها أطفال حمل كل منهم قصة نزوح أو فقد أو نجاة، قبل أن يجد في الغناء وسيلة للتعبير عن ذاكرته وأحلامه المؤجلة. وشهد حفل الإطلاق حضورًا دبلوماسيًا وثقافيًا واسعًا، تقدمه السفير الفرنسي لدى مصر إيريك شوفالييه، ونائب السفير السويسري برنارد سولاند، والمستشار الثقافي لسفارة فلسطين ناجي الناجي، إلى جانب ممثلين عن بعثات دبلوماسية وشخصيات عامة وأعضاء بمجلسي النواب والشيوخ، وأبناء الجالية الفلسطينية.
رسالة إنسانية تتجاوز الفن
في كلمته، أكد المستشار الثقافي ناجي الناجي أن إطلاق الكورال يأتي بالتزامن مع مرور ألف يوم على واحدة من أقسى الحروب في العصر الحديث، ليحمل رسالة مفادها أن الإرادة قادرة على الانتصار على المأساة، وأن الحياة تستطيع أن تشق طريقها مهما اشتدت قسوة الحرب. وأوضح أن المبادرة تتجاوز كونها مشروعًا فنيًا، لتصبح رسالة إنسانية تؤكد أن الفن ليس رفاهية في زمن الحروب، بل حق للأطفال ووسيلة للعلاج النفسي واستعادة الثقة بالنفس. وأضاف أن صوت الطفل أقوى من صوت القذائف، وأن الغناء يستطيع أن يحفظ ما تحاول الحروب محوه من ذاكرة وهوية.
وقال الناجي إن كل طفل يقف ضمن الكورال يحمل حكاية مختلفة، ذكرى يتمسك بها، وألمًا يحاول تجاوزه، وحلمًا بالعودة إلى وطن يعيش فيه دون خوف من السماء أو أصوات الانفجارات، في حياة طبيعية يستحقها كل طفل. وأشاد بالدور الذي تقوم به مصر في احتضان الثقافة والفنون الفلسطينية، مثمنًا دعم فرنسا وهيئة إنقاذ الطفولة ومركز جيرهارت بالجامعة الأمريكية، وكل المؤسسات والأفراد الذين أسهموا في الحفاظ على حضور الهوية الفلسطينية عبر الثقافة والفكر، باعتبارهما من أشكال مقاومة محاولات الطمس والتزييف.
إعادة بناء الأمل عبر الثقافة
وأكد الناجي أن إعادة إعمار الإنسان تبدأ بإعادة بناء الأمل داخل الأطفال، عبر التعليم والدعم النفسي والفنون والثقافة، إلى جانب إعادة بناء المدارس والمنازل. وشدد على أهمية تكاتف الجهود الدولية لتمكين الشعب الفلسطيني من العيش بحرية وكرامة داخل دولته المستقلة. واختتمت الفعالية بفقرات فنية قدمها الكورال بقيادة المايسترو أنس النجار، حيث صدحت الأغنيات الوطنية والتراثية الفلسطينية داخل القاعة التاريخية، لتتحول الكلمات إلى رسائل صمود، ويصبح الغناء لغة يواجه بها الأطفال آثار الحرب، مؤكدين أن الهوية يمكن أن تُغنى، وأن الأمل، مهما أثقلته المآسي، يظل قادرًا على إيجاد صوته.
الفلسطيني يستحق الحياة
قال المستشار الثقافي بسفارة دولة فلسطين في القاهرة، ناجي الناجي، إن إطلاق أول كورال للأطفال الفلسطينيين الناجين من الحرب في مصر يمثل لحظة فخر ورسالة إنسانية يوجهها هؤلاء الأطفال إلى العالم، مفادها أن الفلسطيني يستحق الحياة، وأن يتمسك بأرضه وهويته الوطنية رغم ما تعرض له من ويلات الحرب. وأضاف الناجي، في تصريحات خاصة للمصري اليوم، أن الكورال يحمل 'رسالة حب وحياة' يبعث بها الأطفال إلى المجتمع الدولي، مؤكدين حق الفلسطيني، طفلًا وشابًا وامرأة وشيخًا، في البقاء على أرضه، والغناء لوطنه، والعيش مثل بقية شعوب العالم في أمن وسلام، بعيدًا عن الحروب والقتل والدمار.
وأوضح أن الفلسطيني 'ليس قدره أن يكون مجرد خبر في نشرات الأخبار'، بل إن له حقوقًا أصيلة، في مقدمتها الحق في التعليم، والرعاية الصحية، والحياة الكريمة، وممارسة جميع الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني. وأشار إلى أن الاحتلال يحاول تكريس صورة مفادها أن 'الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت'، مؤكدًا أن هذا الكورال يرد على تلك الرواية، ويعلن بصوت واضح أن الصوت الفلسطيني سيبقى حاضرًا، يروي حكاية الوطن، ويحمل ذاكرة بحر غزة، وسماء القدس، ومدن الضفة الغربية وجبالها. وأكد الناجي أن مصر كانت وما زالت الحاضنة والملاذ الآمن للفلسطينيين، ووفرت مساحة يستطيعون من خلالها التعبير عن أنفسهم، وعن آمالهم وطموحاتهم وذكرياتهم وتاريخهم، مشددًا على أن الفن والثقافة يمثلان أحد أهم أدوات الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.