فنانو غزة يحولون الرخام إلى ذاكرة خالدة للشهداء
في زمن المحن والتحديات، يبرز دور الفن كحارس للذاكرة ووسيلة للتوثيق والخلود. وفي قطاع غزة، تحول الفنانون من صناعة الجمال إلى تخليد التضحيات، حيث يعمل نقاشو الرخام على صناعة شواهد القبور التي تحمل أسماء الشهداء، محولين الحجر الصامت إلى ذاكرة حية تقاوم النسيان.
من الزخرفة إلى التوثيق
كان الفنان محمد ياسين يعمل قبل الأحداث الأخيرة في نقش الرخام لتزيين المنازل وكتابة أسماء العائلات وصناعة اللوحات التعريفية وزخرفة المساجد. لكن مع تطور الأوضاع وتزايد أعداد الشهداء، تغير مسار عمله ليصبح دوره توثيق أسماء الشهداء على شواهد القبور الرخامية.
يوضح ياسين أن عمله تطور من العمل اليدوي التقليدي إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في مجالات الطباعة والتصميم. وقد واجه تحديات كبيرة بعد تدمير محله، مما اضطره للعمل من أمام منزله في ظروف قاسية.
التحديات الاقتصادية والمهنية
تتطلب عملية حفر الرخام جهداً ووقتاً وكلفة عالية، حيث يقوم الفنانون بتصميم الشواهد بأسلوب فني، ثم تخطيطها بآيات قرآنية وأسماء الشهداء. ويلي ذلك تفريغ التصميم وحفره باستخدام مواد كيميائية متخصصة.
وقد ارتفعت تكلفة المواد بشكل كبير، حيث وصل سعر الشاهد الرخامي من 100 شيكل إلى 400 شيكل، وارتفع سعر لتر مياه النار من 10 شواكل إلى 170 شيكلاً، مما جعل العمل أكثر صعوبة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
رسالة إنسانية وثقافية
يعمل الفنان صلاح الطهراوي في مطبعته على صناعة شواهد القبور بعد أن تعذر استمرار عمله السابق. ويؤكد أن عمله اليوم يتجاوز المهنة، فهو يشعر بأنه حُمِّل الأمانة ووقعت على عاتقه مسؤولية حفظ أسماء الشهداء.
يقول الطهراوي: "كل شاهد أصنعه يترك أثراً عميقاً في داخلي، وتتحول ساعات العمل الطويلة إلى رحلة صمت مع قصص وأحلام لم تكتمل".
معاناة العائلات
تواجه العائلات تحديات في إيجاد أماكن لدفن الشهداء وسط ازدحام المقابر وضيق المساحات. وتروي أم سامر، والدة الشهيد سامر أبو يوسف، كيف اضطرت لفتح قبر زوجها المتوفى لدفن ابنها الشهيد إلى جواره، وحرصت على صنع شاهد واحد يحمل اسميهما معاً.
البعد الفني والثقافي
يرى الفنان وأستاذ الفنون الجميلة مروان نصار أن هذا التحول يمثل نقلة عميقة في وظيفة الفن، من التعبير الجمالي إلى التوثيق الوجداني والإنساني. ويؤكد أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع تطويع فنه ليتحول من صانع زخرفة إلى حارس للذاكرة.
ويختتم نصار بالقول إن أهمية هذه الحرفة لا تكمن في بعدها الفني فحسب، بل في دورها الثقافي والإنساني، إذ تتحول شواهد القبور إلى وثائق بصرية تحفظ الأسماء من الضياع وتمنح الفن وظيفة جديدة تتجاوز الجمال إلى مقاومة النسيان.