فيضانات نيبال المدمرة: انهيار جليدي يودي بحياة 177 شخصاً ويطرح أسئلة حول التغير المناخي
في حادثة مأساوية هزّت منطقة الهيمالايا، اجتاحت فيضانات عارمة المنطقة الحدودية بين نيبال وهضبة التبت يوم الأربعاء، مخلفة وراءها دماراً واسعاً وخسائر بشرية فادحة. وتشير التقديرات الأولية إلى مقتل ما لا يقل عن 177 شخصاً، فيما لا يزال حوالي 800 آخرين، بينهم نحو 500 سائح، في عداد المفقودين. وقد دفعت هذه الكارثة الطبيعية إلى تسليط الضوء مجدداً على تداعيات التغير المناخي في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة من الناحية البيئية.
ما هي الأسباب المباشرة للفيضان المدمر في نيبال؟
كشفت التحقيقات الأولية التي أجرتها السلطات النيبالية، بالتعاون مع هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أن السبب المباشر لهذه الكارثة ليس زلزالاً كما كان يعتقد في البداية، بل هو انهيار جليدي وتدفق الركام الذي انطلق من أعالي الجبال. وأوضحت السلطات أن هذا الانهيار ربما أدى إلى تكوين سد طبيعي مؤقت في نهر ليندي، سرعان ما انهار تحت وطأة اندفاع المياه والركام، مما تسبب في فيضان مفاجئ اجتاح المناطق السكنية والتجمعات السياحية في المنطقة الحدودية.
وقد شارك مسؤولون من هيئة نيبال للهيدرولوجيا والأرصاد الجوية صوراً تظهر كميات ضخمة من الثلوج والركام وهي تنحدر من المرتفعات، مما يؤكد فرضية الانهيار الجليدي. غير أن بعض الخبراء، مثل باسانتا راج أديكاري، الخبير في دراسات الكوارث بجامعة تريبوفان، يشككون في تفسير السد الطبيعي المؤقت، مشيرين إلى عدم ورود تقارير عن نقص في منسوب مياه النهر قبل الفيضان، وهو ما كان سيحدث لو تشكل سد فعلياً.
هل للتغير المناخي دور في تفاقم الكوارث الجبلية؟
يرى خبراء المناخ أن الاحترار العالمي يلعب دوراً متزايداً في زعزعة استقرار البيئات الجبلية المرتفعة. ويوضح سايمون كوك، عالم الجليد في جامعة دندي باسكتلندا، أن ذوبان الجليد الذي يربط الجبال ببعضها يمكن أن يؤدي إلى انهيارات جليدية وتدفقات ركام وفيضانات للبحيرات الجليدية، وهي ظواهر شهدتها مناطق أخرى في سلسلة جبال الهيمالايا وخارجها في السنوات الأخيرة.
وتتفق هذه التحليلات مع البيانات المقلقة الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تشير إلى أن نيبال فقدت حوالي ثلث جليدها خلال الثلاثين عاماً الماضية، مع تسارع معدل الذوبان بنسبة 65 في المئة خلال الفترة من 2011 إلى 2020 مقارنة بالعقد السابق. ويؤكد الخبراء أن هذه التغيرات تزيد من احتمالية وقوع كوارث طبيعية في المستقبل، وإن كان من الصعب تحديد توقيتها بدقة.
كيف يمكن تقليل مخاطر الكوارث الطبيعية في المستقبل؟
في ظل هذه التحديات، يوصي الخبراء بتعزيز أنظمة الإنذار المبكر في الوديان المعرضة للكوارث والمناطق المحيطة بالبحيرات الجليدية. ويمكن لهذه الأنظمة رصد التغيرات البيئية وإطلاق تحذيرات قبل وقوع الكارثة بوقت كافٍ. كما يدعو الخبراء إلى تعزيز التعاون العابر للحدود في المناطق النائية مثل هضبة التبت، حيث تؤكد الكوارث الأخيرة أهمية تبادل المعلومات بين الدول لمواجهة هذه التهديدات المشتركة.
وعلى المدى الطويل، يقترح الخبراء نقل المنشآت الحيوية بعيداً عن ضفاف الأنهار إلى أماكن أقل عرضة لخطر الفيضانات، كأحد أكثر الآليات دفاعية فعالية. ويشدد باسانتا راج أديكاري على أن مواجهة هذا النوع من الكوارث يتطلب نظاماً متكاملاً لمشاركة المعلومات بين الدول، خاصة في المناطق الجبلية التي لا تعرف حدوداً سياسية.
ما هي التحديات الإنسانية التي تفرزها الكارثة؟
إلى جانب الخسائر البشرية، تواجه نيبال تحديات إنسانية كبيرة، حيث لا يزال مئات الأشخاص في عداد المفقودين، بينهم عدد كبير من السياح الأجانب. وفي مقاطعة غيرونغ الصينية المجاورة، لم يتحدد مصير 558 شخصاً حتى الآن، وفقاً للتلفزيون الرسمي الصيني. وتعمل فرق الإنقاذ في ظروف صعبة للبحث عن ناجين تحت الأنقاض والوحول، في وقت تتواصل فيه جهود إغاثة المتضررين.
وتأتي هذه الكارثة لتذكرنا بأن منطقة الهيمالايا، رغم جمالها الطبيعي وأهميتها السياحية، تظل عرضة لكوارث طبيعية مدمرة، وأن التكيف مع هذه المخاطر يتطلب استراتيجيات طويلة الأمد على المستويين الوطني والدولي.