كشف الدكتور هوانغ ري هان، رئيس معهد دراسات طريق الحرير البحري والأستاذ بجامعة هواتشياو بجمهورية الصين الشعبية، أن سلطنة عُمان والصين تمتلكان المقومات اللازمة لبناء شراكة استراتيجية متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل التفاهمات إلى مشروعات تطبيقية تخدم الاقتصاد الوطني. وجاءت تصريحاته في حوار خاص أجرته معه جريدة الرؤية العمانية، نُشر يوم 31 أكتوبر 2026، تناول فيه آفاق التعاون التقني بين البلدين في ضوء رؤية "عُمان 2040" ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية.
وأشار الخبير الصيني إلى أن الشراكة الاستراتيجية القائمة بين مسقط وبكين، والتعاون في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، يوفران قاعدة سياسية واقتصادية وتجارية صلبة لتعزيز الشراكة التقنية وتوسيع مجالاتها، بما يجعل الذكاء الاصطناعي محركًا جديدًا للنمو الاقتصادي في السلطنة.
مقومات عُمانية استراتيجية تفتح آفاق التعاون
قال هوانغ ري هان إن الصين تمتلك مزايا متقدمة في مجالات النماذج الذكية والقدرات الحاسوبية وشبكات الاتصالات والتطبيقات الصناعية، في حين تتمتع سلطنة عُمان بمقومات استراتيجية تشمل الموانئ وموارد الطاقة والمناطق الاقتصادية الخاصة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يربط الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية.
وأوضح أن هذه المقومات تتيح فرصًا واسعة للتعاون في مجالات الموانئ الذكية، والتشغيل والصيانة الذكية لمنشآت النفط والغاز، والتنبؤ بإنتاج الطاقة الجديدة وإدارة توزيعها، والخدمات الحكومية الذكية. وأكد أهمية انتقال التعاون إلى مرحلة البحث والتطوير المشترك وتأهيل الكوادر البشرية وتوطين العمليات التشغيلية، بما يضمن بناء قدرات وطنية مستدامة.
ويأتي هذا التوجه متسقًا مع المسار الذي ترسمه السلطنة في هذا الملف؛ فقد كانت سلطنة عُمان عضوًا مؤسسًا في المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، بحسب ما أوردت هرمز نيوز، عقب توقيعها في مدينة شنغهاي على وثيقة التأسيس، في خطوة عكست حضور السلطنة المتنامي في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.
نماذج ذكية تراعي اللغة العربية والخصوصية الثقافية
وحول إمكانية تطوير نماذج للذكاء الاصطناعي تدعم اللغة العربية وتراعي الخصائص الثقافية للمجتمع المحلي، أوضح هوانغ ري هان أن الفرصة أمام سلطنة عُمان لا تكمن في البدء من الصفر لتدريب نماذج ضخمة، وإنما في الاستفادة من النماذج الأساسية المتطورة المتاحة وتكييفها مع اللغة العربية واحتياجات البيئة المحلية وتوطين استخدامها.
ولفت إلى أن البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة في عُمان وضع عددًا من المبادرات في هذا المجال، من بينها المنصة الوطنية للبيانات المفتوحة، ومؤسسات البحث والتطوير، ومنصة "AI Studio"، إلى جانب تطوير نماذج لغوية محلية. وأشاد ببدء استخدام نظام "معين" العُماني في عدد من الجهات الحكومية.
واقترح تعزيز التعاون عبر آلية مشتركة تُغني فيها الجهات العُمانية بتوفير المحتوى اللغوي والبيانات المرجعية وعمليات التقييم، بينما يقدم الجانب الصيني النماذج والأدوات التقنية وسلاسل التطوير، مع تنفيذ برامج مشتركة للبحث والتطوير بين جامعات البلدين. وشدد على ضرورة تطبيق معايير واضحة لتصنيف البيانات وتحديد مستويات حساسيتها، وضمان تخزين البيانات الحساسة محليًا، واختبار النماذج للكشف عن الانحيازات الثقافية وإخضاعها لتقييمات دقيقة.
مشروعات تطبيقية في الصناعة والطاقة واللوجستيات
أكد رئيس معهد دراسات طريق الحرير البحري أن الشراكة لن تبدأ من نقطة الصفر؛ إذ دخلت شركات اتصالات صينية بالفعل في تعاون مع مؤسسات عُمانية لتطوير حلول المجمعات الذكية. وقال إن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من توقيع الاتفاقيات إلى تحديد مجالات التطبيق وإطلاق المشروعات وتشكيل فرق العمل المتخصصة.
وفي القطاع الصناعي، أشار إلى إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في الفحص الذكي لجودة المنتجات والصيانة التنبؤية للمعدات والمنشآت. وفي قطاع الطاقة، يمكن الاستفادة منه في إدارة شبكات الكهرباء والتنبؤ بمعدلات إنتاج الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة عمليات إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو ما يتقاطع مع التوجه العُماني نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة.
أما قطاع الخدمات اللوجستية، فيوفر مجالات متعددة تشمل إدارة حركة الموانئ وإجراءات التخليص الجمركي وتحسين مسارات النقل، فيما يمكن توظيف التقنيات الذكية في المدن لإدارة المرور والمياه وتطوير الخدمات العامة. ولفت إلى إمكانية الاستفادة من المقومات التي توفرها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم لتنفيذ هذه المشروعات، بحيث يقدم الجانب الصيني الخبرات التقنية والهندسية، ويتيح الجانب العُماني بيئات التطبيق مع مشاركة الشركات المحلية في التشغيل والإدارة.
65 مليون ريال استثمارات الذكاء الاصطناعي في عُمان
كشف هوانغ ري هان أن الاستثمارات الموجهة لدعم مشروعات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان بلغت نحو 65 مليون ريال عُماني حتى عام 2025، وفقًا لبيانات وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، متوقعًا أن يسهم التعاون مع الصين في تحفيز المزيد من الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة عبر خفض تكاليف الحصول على التقنيات ونقل الخبرات وتعزيز ثقة المستثمرين بآفاق السوق العُمانية.
وبيّن أن المجالات الأكثر جذبًا للاستثمارات مستقبلًا تشمل مراكز البيانات الخضراء والحوسبة السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الطاقة والصناعة، ورقمنة الخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ، وتطوير النماذج اللغوية العربية والتطبيقات الحكومية الذكية. ودعا إلى تأسيس صناديق استثمارية مشتركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتوفير فرص تعاقدية أولية لتطبيق الحلول الجديدة، ووضع أطر واضحة لإتاحة البيانات العامة وتحديد حدود استخدامها.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات العُمانية الصينية تستند إلى إرث تاريخي يمتد قرونًا من التواصل الحضاري، وهو ما رسخ الثقة المتبادلة بين البلدين، بحسب ما أبرزت تغطية جريدة عمان للشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
فرص واعدة للشركات الناشئة ورواد الأعمال
قال الخبير الصيني إن الفرص التي توفرها الشراكة للشركات الناشئة تتركز في ثلاثة جوانب رئيسية: التكنولوجيا ورأس المال والأسواق. فعلى المستوى التقني، يمكن للشركات العُمانية الاستفادة من المنصات المفتوحة التي توفرها الشركات الصينية وأدوات التطوير والموارد الحاسوبية السحابية، بما يخفض تكاليف البحث والتطوير، مع توجيه الجهود نحو منتجات وخدمات متخصصة في الخدمات باللغة العربية والخدمات اللوجستية للموانئ وإدارة الطاقة والسياحة الذكية.
وفي جانب التمويل، أبرز إمكانية إنشاء حاضنات ومسرعات أعمال مشتركة وصناديق لتمويل المشروعات في مراحلها التأسيسية، وربط التمويل بالحصول على طلبات شراء فعلية. أما على مستوى الأسواق، فأكد أن سلطنة عُمان يمكن أن تشكل بوابة واعدة للشركات الصينية الراغبة في دخول أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، في حين تستطيع الشركات العُمانية الاستفادة من الشبكات التجارية الصينية للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
وشدد على أهمية أن تنص اتفاقيات التعاون بوضوح على حقوق الملكية الفكرية وحقوق استخدام البيانات وآليات توزيع العوائد، إلى جانب برامج تأهيل الفرق المحلية، بما يساعد رواد الأعمال العُمانيين على امتلاك منتجاتهم التقنية وتطوير قدراتهم البحثية بصورة مستمرة.
أسئلة شائعة
ما حجم استثمارات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان؟
بلغت الاستثمارات الموجهة لمشروعات الذكاء الاصطناعي نحو 65 مليون ريال عُماني حتى عام 2025، وفقًا لبيانات وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات.
ما أبرز مجالات التعاون العُماني الصيني في الذكاء الاصطناعي؟
تشمل المجالات الواعدة مراكز البيانات الخضراء، والموانئ الذكية، وتطبيقات الطاقة والصناعة، والخدمات الحكومية الذكية، وتطوير النماذج اللغوية العربية.
كيف تستفيد عُمان من موقعها الجغرافي في هذه الشراكة؟
يمكن للسلطنة أن تشكل بوابة للشركات الصينية نحو أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، مستفيدة من موقعها الرابط بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية.
