أكدت الشاعرة السورية فائزة القادري أن القصيدة العربية لم تتخلّ يوماً عن دورها في التعبير عن تحولات المجتمع العربي سياسياً وثقافياً، معتبرة أنها كانت حاضرة في كل زمن وفي كل حادثة، سواء في بيئة الهزيمة أو بيئة النصر. وجاءت تصريحاتها في حوار نشرته جريدة عُمان بتاريخ 29 أكتوبر 2026، تناولت فيه وظيفة القصيدة المعاصرة وعلاقتها بالمتلقي وأسئلة الحداثة والتراث.
وقالت القادري إن القصيدة ظلت شاهدة على المقاومة والخذلان معاً، وتمردت على الفساد السياسي والاجتماعي، وأثبتت حضورها في الانتصار للحقيقة. وأوضحت أن القصيدة ترنّحت بين أدوار متعددة: دور المتخاذل عن تغيير الواقع، ودور المتقنّع برموزه وأفكاره، ودور الصريح الجريء المقدام.
وظيفة القصيدة تتغير بتغير الزمن
وحول مدى تغير وظيفة القصيدة اليوم مقارنة بالماضي، أوضحت القادري أن الوظيفة الأساسية للقصيدة هي التعبير الفني عن المشاعر الإنسانية، ونقل الأفكار والقيم الثقافية، وتوثيق التجارب التاريخية والوجدانية بأسلوب يجمع بين الإيقاع والخيال. ومن الطبيعي، بحسب قولها، أن تتبدل هذه الوظائف تبعاً لتغير الزمن وتقلبات قيمه.
وأشارت إلى أن القصيدة التي كانت تبث الحماسة، ويتوهج فيها الغزل، وتمجد طقوس البداوة، وتسلك المديح أو الهجاء، ستكون اليوم في مكان آخر وفي هيئة أخرى ولأهداف أخرى. لكنها شددت على أن التغير حاصل وغير حاصل في آن واحد؛ فبينما يوقف كثير من الشعراء قصائدهم في حلبات الماضي، يعدو آخرون إلى الأمام المتسارع، وتؤدي قصائدهم وظائف متقدمة الوعي بالماضي والحاضر وربما في تنبؤات المستقبل.
أزمة بين النص والمتلقي
وعلقت القادري على ما يثار عن وجود أزمة بين النص والمتلقي، مؤكدة أن الأزمة قائمة فعلاً. وذكرت أسباباً متعددة لها، منها نصوص غامضة أو ضعيفة لا ترتقي إلى توقعات المتلقي، ونصوص منفلتة من المعجم البيئي الواقعي، وأخرى مستهلَكة مجترّة مكرورة.
وبالمقابل، أوضحت أن هناك متلقياً ضعيفاً لا يستطيع خلع المعنى على النص، فلا يضيف إليه من روحه ومعارفه وخبراته، وهناك متلقٍ شديد الحساسية أو متعالٍ أو مهمل. وخلصت إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في فقدان الثقة بين النص والمتلقي، بحيث لا يقدم أحدهما للآخر فرصة الإبداع.
الأنساق الثقافية في القصيدة المعاصرة
ورأت القادري أن القصيدة العربية المعاصرة انعكاس ثقافي لواقعها وبيئتها وبنيتها التحتية العميقة، فهي تعكس ألم المنافي والاغتراب والمقاومة، وتدخل بجرأة إلى مضامير الفكر المشكّك المستفسر النابش للحقائق. وأضافت أنها تعيد تدوير الأنساق الثقافية القديمة وتستثمر رموزها لتخيط لنفسها ثوباً جديداً يليق بثورة عصرية انقلبت على كثير من المفاهيم.
ووصفت القصيدة بأنها مرآة العصر المتعرض لعاصفة رقمية ومتغيرات متسارعة ومفاهيم متناقضة. ويرى باحثون أن الشعر العربي بفروعه المتعددة، ومنه الشعر النبطي المنظوم بلهجات شبه الجزيرة العربية، ظل عبر التاريخ وعاء لهموم الإنسان وقيمه، وهو ما يتسق مع رؤية القادري لاستمرار حضور القصيدة رغم كل التحولات.
بين التراث والحداثة
وعن حضور التراث والحداثة في النص الشعري المعاصر، قالت القادري إن بين الأصالة والتجديد مساحة إبداعية باهرة، يشترك فيها العنصران في خلق الدهشة وإثراء الخيال. فالتراث، بحسب قولها، يخلع على النصوص بلاغته ورصانته وكنزه المكتظ بالملاحم والأساطير والرموز الدينية والتقليدية، بينما يكسبها التجديد انفتاحاً على الأفكار والثقافات المختلفة ولغة بيضاء للتواصل مع المتلقي.
واعتبرت أن الإبداع الحقيقي هو ألا تنفصل القصيدة عن ماضيها وواقعها، وأن تستفيد من ميزات كل منهما، مشيرة إلى أن هذا التشابك في صالح القصيدة وسيخلق مواءمة فلسفية ولغوية وفكرية. كما لفتت إلى أن القصيدة المعاصرة تحاول التخفف من آثار الأيديولوجيا التي كانت تحكم أجيالاً من النصوص الشعرية، معربة عن إيمانها بأن النقد لن تنتهي شعلته ما دامت هناك نصوص شعرية تتوالد وتفرض نفسها على الذائقة.
من هي فائزة القادري؟
فائزة القادري شاعرة سورية رافقها الشعر منذ الصغر، تكتب الشعر والقصة والمقال والسرد والدراسات النقدية. عملت في مجالي الثقافة والتربية، وترأست مراكز ومعاهد ثقافية، وأسست منتدى عبق الثلاثاء الأدبي الذي ارتاده المثقفون والأدباء ومحبو الثقافة. ولها إصدارات خاصة وأخرى مشتركة مع شعراء وكتاب عرب، وتحظى بحضور لافت في المحافل الشعرية داخل سوريا وخارجها. ويأتي حوارها في سياق اهتمام عربي متجدد بمكانة الشعر، في وقت تسلط فيه قراءات ثقافية، ومنها ما نشرته صحيفة الرأي حول حضور المرأة في الشعر العربي عبر العصور، الضوء على إسهامات الشاعرات في المشهد الأدبي.
أسئلة شائعة
ما دور القصيدة العربية المعاصرة وفق فائزة القادري؟
ترى القادري أن القصيدة لم تتخل عن دورها في التعبير عن تحولات المجتمع العربي، وأنها تتحرى الأسئلة الأكثر إلحاحاً في وجدان المتلقي لتجيب عنها، وتشاركه في إتمام معناها.
ما أسباب أزمة العلاقة بين النص والمتلقي؟
تعزو القادري الأزمة إلى نصوص غامضة أو ضعيفة أو مستهلَكة من جهة، وإلى متلقين لا يضيفون من خبراتهم وقراءاتهم من جهة أخرى، بما يؤدي إلى فقدان الثقة بين الطرفين.
كيف تنظر القادري إلى العلاقة بين التراث والحداثة؟
ترى أن بين التراث والحداثة مساحة إبداعية مشتركة، وأن الإبداع يكمن في عدم انفصال القصيدة عن ماضيها مع الاستفادة من انفتاح التجديد على الأفكار والثقافات.
