دعا معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، دول الخليج إلى تحمّل المسؤولية الجماعية عن أمنها، من خلال إطلاق حوار إقليمي جديد يضم دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران، بهدف إرساء منظومة أمنية إقليمية شاملة تقوم على التعاون والثقة المتبادلة. وجاءت الدعوة خلال محاضرة ألقاها معاليه بعنوان «الأمن الشامل في الخليج» في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، أمس الاثنين، وفق ما أوردت جريدة الرؤية العمانية.
وأكد معاليه أن أي منظومة أمنية للخليج لا تشمل الدول الثماني جميعها ستكون بطبيعتها غير مستقرة، مشيرًا إلى أن استبعاد إيران من الترتيبات الأمنية الإقليمية على مدى عقود خلّف تداعيات سلبية عميقة على المنطقة بأسرها. وأوضحت صحيفة الأحبار أن الدعوة العُمانية تستهدف التوصل إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثماني المطلة على الخليج، بوصفه شرطًا أساسيًا لإقامة منظومة أمنية شاملة.
محاضرة كامبريدج: عُمان والحياد البنّاء
واستهل معالي السيد وزير الخارجية محاضرته بالإشارة إلى الزيارة الرسمية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى المملكة المتحدة، وما عكسته من عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وما أتاحتها من مباحثات دبلوماسية واقتصادية مهمة في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.
وأعرب معاليه عن تقديره لجلالة الملك تشارلز الثالث، مشيرًا إلى إشادة جلالته، في كلمته خلال مأدبة عشاء، بما تنتهجه سلطنة عُمان من «حياد بنّاء»، وبـ«جهودها النبيلة» بوصفها طرفًا موثوقًا للحوار في دعم حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. وتعكس هذه الإشادة، وفق المراقبين، التقدير الدولي المتنامي للدور الجيوسياسي الذي تضطلع به السلطنة في خدمة قضايا المنطقة.
لماذا يدعو بدر بن حمد إلى حوار إقليمي جديد؟
أوضح معاليه أن ما شهدته المنطقة من نزاعات وتوترات خلال العقود الماضية، وما أفرزته التطورات الأخيرة من تحديات، يؤكد الحاجة إلى إعادة النظر في المقاربات الأمنية القائمة. وقال إن سلطنة عُمان، على الرغم مما تتمتع به من علاقات سلمية مع جميع جيرانها، تُدرك أن أمنها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن محيطها الإقليمي، وهو ما يشكّل أساس جهودها في تسوية النزاعات وبناء الثقة والحفاظ على السلام وتوسيع نطاقه.
وتطرق معاليه إلى الجهود الدبلوماسية التي بذلتها السلطنة لتيسير المباحثات بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وإلى المشاورات التي أجرتها مع إيران حول ترتيبات ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن المقومات الأساسية للتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي لا تزال قائمة، رغم الصعوبات التي تعترض العودة إلى المفاوضات.
وأوضح أن التحديات التي تواجه هذين المسارين تعكس أوجه القصور في الترتيبات الأمنية الإقليمية، نتيجة الاعتماد طويل الأمد على القوى الخارجية، وعدم تمكّن دول المنطقة من التوصل إلى توافق جماعي بشأن أمنها. وأكد أن مسؤولية وضع ترتيبات الأمن الإقليمي وتطويرها وتنفيذها ينبغي أن تقع في المقام الأول على عاتق دول الخليج نفسها، وأن استمرار القوى الخارجية في تحديد مسارات التعامل مع قضايا المنطقة يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تسويتها.
لا عداء جوهريًا بين العرب والفرس
وفي هذا السياق، رفض معاليه التصور القائم على وجود عداء جوهري بين إيران والدول العربية الخليجية، مشيرًا إلى ما يجمع العرب والفرس من تاريخ طويل من التعايش السلمي، ومؤكدًا أن الخلافات القائمة لا ينبغي أن تحول دون بناء منظومة أمنية تشمل جميع دول الخليج. وذكرت صحيفة توصل نيوز أن الدعوة العُمانية تؤكد أن ميثاق عدم الاعتداء بين الدول الثماني يمثل هدفًا رئيسيًا للحوار الإقليمي المقترح.
إحياء مبادرة مسقط التاريخية عام 1976
واستذكر معاليه الاجتماع الذي استضافته مسقط في نوفمبر 1976، وجمع وزراء خارجية الدول الخليجية الثماني بهدف العمل على إقامة ترتيبات للأمن الإقليمي الجماعي، مشيرًا إلى أن التحولات والأحداث التي شهدتها المنطقة في السنوات اللاحقة حالت دون تحقيق ذلك الطموح.
ودعا إلى إحياء روح تلك المبادرة التاريخية وإعادة جمع الدول الثماني حول طاولة واحدة، قائلًا:
يمكن إعادة عقد الاجتماع
وأكد ضرورة أن يتضمن جدول أعماله معالجة القضايا الملحّة، وفي مقدمتها التوصل إلى فهم مشترك بشأن ترتيبات الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم وأحد شريانين حيويين للاقتصاد العُماني والخليجي.
وأقرّ معاليه بأن تحقيق هذا الهدف لن يكون سهلًا في ظل ما تراكم من أسباب تاريخية وحديثة للشكوك وانعدام الثقة، إلا أنه أشار إلى تنامي الإدراك المشترك بأن أي مسار مستقبلي لأمن الخليج لا بد أن يشمل الدول الثماني جميعها، وألا يظل معتمدًا على تعاون الشركاء الخارجيين.
شراكات خارجية موجّهة نحو الاقتصاد والاستثمار
وأكد معالي السيد وزير الخارجية أن تعزيز المسؤولية الإقليمية عن الأمن لا يعني التخلي عن الشراكات القائمة مع الدول من خارج المنطقة، وإنما إعادة تحديد دورها بحيث لا تبقى العنصر الرئيسي في المنظومة الأمنية الخليجية. وأعرب عن أمله في أن تتجه هذه الشراكات، بصورة متزايدة، نحو التعاون الاقتصادي والاستثمار في مستقبل الخليج بدوله الثماني، بدلًا من استمرار تركيزها على الالتزامات العسكرية والأمنية.
واختتم محاضرته بالتأكيد على ضرورة المبادرة إلى اتخاذ الخطوات الأولى نحو هذا الحوار، رغم ما يحيط بالمنطقة من تحديات، قائلًا:
إذا نهضت دول الخليج بمسؤولياتها، فإن تحقيق الأمن الإقليمي الشامل، الذي شكّل رؤية عام 1976، سيصبح ممكنًا
كما رحّب بالأفكار والرؤى الجديدة التي تتبلور لدى نظرائه في دول الخليج، معربًا عن تطلعه إلى مواصلة الحوار بما يحقق مصالح دول المنطقة وشعوبها، في خطوة تؤكد مجددًا المكانة التي تتمتع بها مسقط كجسر للسلام والتقارب بين الشعوب.
أسئلة شائعة
ما هو ميثاق عدم الاعتداء الذي تدعو إليه عُمان؟
هو ميثاق مقترح بين الدول الثماني المطلة على الخليج، أي دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران، يُعد شرطًا أساسيًا لإقامة منظومة أمنية إقليمية شاملة تقودها دول المنطقة نفسها.
ما علاقة مبادرة 1976 بالدعوة الحالية؟
استضافت مسقط في نوفمبر 1976 اجتماعًا جمع وزراء خارجية الدول الخليجية الثماني بهدف إقامة ترتيبات للأمن الإقليمي الجماعي، ويدعو الوزير بدر بن حمد إلى إحياء روح تلك المبادرة وإعادة عقد الاجتماع.
هل يعني تعزيز الأمن الإقليمي التخلي عن الشراكات الخارجية؟
لا، فقد أكد الوزير أن الشراكات القائمة مع دول خارج المنطقة ستستمر، مع إعادة تحديد دورها بحيث تتجه بصورة متزايدة نحو التعاون الاقتصادي والاستثمار بدلًا من التركيز على الالتزامات العسكرية.
