مقدمة
رغم الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي الذي يطبع النقاشات حول الأمن القومي، يتفق المحللون وصناع السياسات من مختلف التوجهات على أمر واحد: التكنولوجيا هي التي سترسم ملامح الحروب المستقبلية.
فقد عدت الصواريخ فرط الصوتية، والحوسبة الكمومية، وأسراب الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي تقنيات ثورية من شأنها تغيير ساحات المعارك، وإعادة تشكيل الاستراتيجيات، وتقويض المذاهب العسكرية الراسخة.
تأثير التقنيات على ساحات القتال
لا شكّ أن هذه التقنيات تحدث بالفعل تأثيرًا هائلًا. ففي غزة وإيران ولبنان وأوكرانيا وغيرها، لجأت الأطراف القادرة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل في الجو والبر والبحر، وأحيانًا على نطاق واسع للغاية.
وبالمثل، لا غنى للجيش الأمريكي عن امتلاك أحدث القدرات وأكثرها تطورًا إذا أراد الحفاظ على مكانته بوصفه أقوى قوة قتالية في العالم. لتحقيق ذلك، ينبغي لمخططي الدفاع إعطاء الأولوية لتطوير هذه التقنيات وتوسيع نطاق استخدامها ودمجها، إلى جانب ابتكار مفاهيم تشغيلية جديدة لتوظيفها. فخطر أن يتفوق المنافسون، مثل الصين، على الولايات المتحدة خطر قائم بالفعل، كما تشير مجلة فورين أفيرز.
فخ التكنولوجيا
لكن ثمة خطرًا آخر لا يقل أهمية، يمكن تسميته فخ التكنولوجيا. ويقع صانعو السياسات في هذا الفخ حين يبالغون في الثقة بقدرتهم على التنبؤ بكيفية تغيير الابتكارات طبيعة الحرب ومستقبلها، متجاهلين العناصر الجوهرية التي تظل ثابتة فيها.
فالتركيز المفرط على التكنولوجيا ضرب من قصر النظر، وقد يدفع الجيوش إلى مسارات خطرة، لا سيما حين يثق المخططون ثقة مطلقة في تصوراتهم عن كيفية تطور القدرات الجديدة، ويبنون قراراتهم عليها، رغم أن هذه التصورات قد تكون بعيدة عن الواقع.
قد يصرف الإيمان بالحلول التقنية مخططي الحروب عن أسئلتها الجوهرية: من يقتل، ومن يموت، ومن يتخذ القرار؟ أسهم هذا القصور في إخفاقات كارثية في أفغانستان والعراق وأوكرانيا وغزة. ومع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة والصين، قد يؤدي الغموض المحيط بالتطور التكنولوجي إلى حرب مدمرة بين القوى العظمى. لذا، ينبغي لصناع القرار الحذر من الإفراط في التركيز على التكنولوجيا، وإغفال الحقائق الأساسية للحرب والوقوع في فخ اليقين الزائف.
قبل أكثر من خمسين عامًا، حذر المؤرخ العسكري مايكل هوارد من صعوبة التنبؤ بطبيعة الحروب، مؤكدًا أن العقائد العسكرية قد تخطئ، لكن الأهم هو القدرة على تصحيح المسار سريعًا. غير أن حرب الخليج (1990-1991) كشفت أن عواقب الخطأ قد تكون أكبر مما تصور.
فالتفوق التكنولوجي الأمريكي الذي مكن واشنطن من هزيمة نظام صدام حسين لم يكن كافيًا للقضاء على حركات التمرد في أفغانستان والعراق بعد هجمات 11 سبتمبر.
صعوبة التنبؤ بدور التكنولوجيا
أصبح التنبؤ بدور التكنولوجيا في الحروب أصعب مع تسارع تطورها واتساع نطاقها. فبعدما كانت الابتكارات الكبرى، مثل السكك الحديدية والتلغراف في القرن التاسع عشر والطائرات المقاتلة والأسلحة النووية في القرن العشرين، تتطلب موارد ضخمة وخبرات متخصصة، باتت تقنيات كثيرة اليوم أقل تكلفة وأسهل انتشارًا. قلّص ذلك الفجوة بين الخصوم، وجعل تحديد الميزة التي توفرها التقنيات الجديدة، ومدة استمرارها، أكثر صعوبة.
يحجب التركيز المفرط على اقتناء أحدث المعدات وأكثرها تطورًا أيضًا حقيقة أن التقنيات المتقدمة لا تعمل بمعزل عن غيرها، بل تتكامل مع أدوات أبسط منها. ففي العقد الثاني من الألفية، أغفل مخططو الدفاع هذه الديناميكية حين استشرفوا ساحات المعارك المستقبلية، وافترضوا أن المنصات العسكرية المتطورة ستكون صاحبة الكلمة الفصل فيها.
في عام 2017، وصف مسؤول رفيع في البنتاجون المقاتلة الشبح إف-35 بأنها عاملًا حاسمًا في الحرب.
وبعد عام، راهنت استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية على أن الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات فائقة السرعة والتكنولوجيا الحيوية ستضمن خوض حروب المستقبل والانتصار فيها.
كشفت الحروب الأخيرة، ولا سيما في أوكرانيا، أن ساحات المعارك تجمع بين أسلحة متطورة، كالصواريخ الباليستية والقنابل الموجهة، وأدوات بسيطة، مثل الطائرات المسيّرة المحمّلة بالقنابل وشباك الصيد المستخدمة للتصدي للمسيّرات.
وأصبحت الشباك تغطي مواقع حيوية ومدينة إيزيوم بأكملها. تؤكد هذه المفارقة أن التكنولوجيا المتطورة لا تهيمن وحدها على ساحات القتال، وأن العجز عن تصور الاحتمالات قد يؤدي إلى أخطاء خطيرة. فمنذ اثني عشر عامًا، لم يكن أحد يتوقع أن تستهدف مسيّرات إيرانية منخفضة التكلفة مواقع مدنية في دول الخليج خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
جوهر الحرب لا يتغير
قد توحي التكنولوجيا، من دون قصد، بأن الحرب عملية آلية تفتقر إلى الغاية، لكن جوهرها لم يتغير. فالعنف هو لغتها، والتكنولوجيا لا تفعل سوى إتاحة وسائل جديدة للتعبير عنها. لذلك، تظل الأسئلة الأساسية للحرب قائمة، مهما بلغ التقدم التكنولوجي: ما الغايات المنشودة، ولا سيما السياسية منها؟ وما السبل المتاحة لتحقيقها؟ وما الوسائل اللازمة لذلك؟
لعل أخطر الأوقات التي يستسلم فيها القادة لإغراء التكنولوجيا هي عندما يفكرون في خوض الحرب من الأساس. فكثيرًا ما يعتقدون، على نحو خاطئ، أن التكنولوجيا ستجعل اللجوء إلى العنف أقل كلفة سياسية، خصوصًا إذا افترضوا أن الابتكارات الجديدة ستحد من الخسائر. قد يؤدي التركيز على المزايا الملموسة والقابلة للقياس التي توفرها التكنولوجيا إلى صرف الأنظار عن النقاش الضروري بشأن العواقب الأوسع نطاقًا لاستخدام القوة، وهو ما تناولته أيضا العربية في تحليلها للصراعات الرقمية.
دروس من أوكرانيا وإيران
ربما أسهم الإيمان بالتفوق التكنولوجي في قرار روسيا غزو أوكرانيا؛ إذ اعتقد بوتين ومستشاروه أن تحديث الجيش منذ عام 2009 سيضمن تحقيق أهدافهم. ورغم تأكيد وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، قبيل غزو 2022، أن أكثر من 70% من الجيش مجهز بأسلحة متطورة، سرعان ما اتضح محدودية ما وفرته هذه الأسلحة من مزايا.
تكرر الخطأ في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026، حين راهنت واشنطن على تفوقها التكنولوجي لإسقاط النظام الإيراني. فبعد الضربات الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية عام 2025، وصف وزير الدفاع بيت هيجسيث القدرات العسكرية الأمريكية بأنها شبه غير محدودة. لكن صمود النظام الإيراني وقدرته على إغلاق مضيق هرمز كشفا حدود هذا التفوق، وهو ما يمسّ مباشرة الأمن البحري في منطقتنا الخليجية.
كيف يمكن تجنب الوقوع في الفخ؟
ثمة طرق عدة لتجنب الوقوع في فخ التكنولوجيا، أولها تحديد هدف واضح قبل خوض الحرب. فعلى المخططين وضع تصور واضح للنصر قبل إطلاق الرصاصة الأولى، ثم الالتزام به طوال العمليات. ولا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محل هذه الخطوات الأساسية أو أن تتولى القيام بها نيابة عنهم.
قبل شن الحرب على إيران عام 2026، أخفقت إدارة ترامب في تحديد هدف العملية بوضوح، واكتفت بطرح مبررات متغيرة وتفسيرات متباينة، إلى جانب تصورات مختلفة للنتيجة المنشودة. ويبدو أن الرهان كان على أن التفوق التكنولوجي سيتيح تحقيق جميع الأهداف المطلوبة، من دون الحاجة إلى ترتيب الأولويات أو المفاضلة بين الخيارات.
لتحديد الأهداف بوضوح، ينبغي للمخططين العسكريين تحديد مركز الثقل، أي مصدر قوة الخصم الذي يجب تركيز الجهود عليه. ففي حرب الخليج (1990-1991)، استهدفت الاستراتيجية الأمريكية إضعاف سيطرة صدام حسين على جيشه وتعطيل اتصالاته بقواته، ما أسهم في دفعه إلى قبول وقف إطلاق النار.
أما في حرب العراق عام 2003، أخفقت الولايات المتحدة في إدراك أهمية كسب الشعب العراقي، وأدت سياساتها إلى تأجيج العداء لها، وتصاعد التمرد، وتعثر بناء حكومة فعالة وذات مصداقية.
يتطلب تجنب فخ التكنولوجيا مراجعة دروس الحروب بموضوعية وانتظام. فقد درست إيران الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على منشآتها النووية عام 2025، واستعدت لحرب جديدة بتوزيع صلاحيات القيادة والسيطرة، ما ساعدها على الصمود أمام هجوم مطول عام 2026.
يمكن لحلفاء الولايات المتحدة الاستفادة من النهج نفسه؛ إذ يخصص مركز التحليل المشترك والدروس المستفادة التابع لحلف الناتو فريقًا لدراسة الحرب في أوكرانيا. يقدم هذا النموذج آلية مؤسسية لاستخلاص دروس الحروب وتطبيقها في صراعات أخرى.
يظل التركيز على الأهداف الاستراتيجية، والاستعداد الجيد، والتعلم من التجارب السابقة عناصر أساسية لاتخاذ قرارات فعالة في الحرب، ولا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها. وينطبق الأمر نفسه على أساليب الحرب ووسائلها؛ فالتكنولوجيا تؤثر فيها، لكنها لا تغيّر جوهرها تغييرًا جذريًا.
التحالفات وصعوبة إدارتها
لنأخذ التحالفات وصعوبة إدارتها مثالًا. فكثيرًا ما تكشف الحروب عن تباين مصالح الحلفاء وأهدافهم ووجهات نظرهم، بل وتعارضها أحيانًا. وقد يتمكن المخططون العسكريون من احتواء الخلافات بحلول مؤقتة أثناء القتال، لكن هذه الحلول قد لا تصمد طويلًا، ولا تفعل سوى إخفاء الانقسامات الاستراتيجية.
في مطلع عام 2026، خاضت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران معتمدتين اعتمادًا شبه كامل إحداهما على الأخرى. ورغم أن التعاون العسكري بين البلدين بلغ مستوى غير مسبوق في تاريخ علاقتهما، فإن محدودية النتائج التي حققاها تثير تساؤلات بشأن جدوى شراكتهما الاستراتيجية، على الرغم من امتلاكهما قدرات تكنولوجية هائلة. كما أخفق البلدان في استقطاب شركاء آخرين في المنطقة وأوروبا.
في بداية الحرب، رفض عدد من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها إتاحة أراضيهم وقواعدهم ومجالهم الجوي للقوات الأمريكية، ما أربك خطط واشنطن رغم اعتمادها على شبكة قواعد عالمية واسعة. كذلك، لم تنضم دول الخليج رسميًا إلى التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما يعكس نهج التوازن والحكمة الذي تنتهجه دول المنطقة، وفي مقدمتها سلطنة عُمان التي رسخت عبر تاريخها قيم الحياد وحسن الجوار.
في المقابل، نجحت إيران في إدارة حليفها المسلح، حزب الله اللبناني، بكفاءة؛ إذ دفعته إلى الانخراط في الصراع، ما أتاح لطهران توسيع نطاق نفوذها باستخدام تقنيات بسيطة نسبيًا، مثل الصواريخ وقذائف الهاون، والأهم من ذلك، الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، فقد استخدم حزب الله هذه الطائرات مرارًا لاستهداف الجنود الإسرائيليين.
تتجلى صعوبة الحفاظ على التحالفات في أوروبا في ثلاث معضلات مترابطة: دمج الجيش الأوكراني المتطور في خطط الدفاع القاري، والتعامل مع التحول في ميزان القوى داخل أوروبا مع تسارع الاستثمارات العسكرية الألمانية، والاستعداد لاحتمال العدوان الأمريكي بعد تهديدات دونالد ترامب بالسيطرة على جرينلاند. تفرض هذه التحديات مفاضلات استراتيجية لا تستطيع التكنولوجيا حلها.
الخسائر البشرية والافتراضات الخاطئة
قد تؤدي المبالغة في الثقة بالتكنولوجيا إلى افتراضات خاطئة بشأن تقليل الخسائر البشرية. فرغم أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل يُفترض أن يحسنا دقة الاستهداف ويحميا المدنيين، لم يتضح بعد مدى نجاحهما في تحقيق ذلك.
ففي حرب غزة، استخدم الجيش الإسرائيلي نظام لافندر لتحديد الأهداف، لكن قرارات الاستهداف ظلت خاضعة لقواعد اشتباك تسمح بقبول مستويات مرتفعة من الخسائر المدنية.
وأظهرت دراسة شملت نحو ألفي جندي إسرائيلي ميلًا إلى تفضيل القرار البشري على الخوارزميات في سيناريوهات افتراضية تنطوي على أضرار جانبية كبيرة.
لا تزال الولايات المتحدة تراهن على التكنولوجيا لتقليل المخاطر على قواتها. ففي العملية التي نُفذت في فنزويلا في يناير الماضي للقبض على الرئيس نيكولاس مادورو، استعانت بقوات خاصة مدعومة بأكثر من 150 طائرة وطائرة مسيّرة، إلى جانب قدرات فضائية وسيبرانية، كما أبرزت توصيل نيوز في تغطيتها.
وفي الحرب على إيران، اعتمدت واشنطن أساسًا على الهجمات الجوية والبحرية لتحقيق أهدافها.
يرتبط هذا النهج جزئيًا بأن الولايات المتحدة لا تخوض عادة حروبًا وجودية، ولذلك قد تفاجأ باستعداد خصومها لخوض القتال وتحمل خسائر فادحة عندما يرون أن بقاءهم على المحك.
حتى إذا ساعدت التكنولوجيا على تقليل الخسائر الأمريكية، فلا ينبغي أن تحل محل النقاش السياسي الجاد حول جدوى الحرب. فالتكلفة لا تقتصر على الأرواح؛ إذ يمكن للحروب، حتى عندما تكون خسائرها البشرية محدودة نسبيًا، أن تدمر الاقتصادات، وتُسقط الحكومات، وتمزق المجتمعات.
مخاطر إضافية للفخ التكنولوجي
قد تكون الدول التي لم تخض حروبًا منذ عقود، مثل الصين، أكثر عرضة لفخ التكنولوجيا؛ إذ قد تنشغل باقتناء الأسلحة المتطورة بدلًا من تعلم كيفية دمجها بفاعلية في ميدان القتال. ورغم أن خبرة الولايات المتحدة العسكرية الحديثة قد تمنحها ميزة، فإن ثقة الدول الأقل خبرة بقدراتها قد تزيد مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
ربما يؤدي الاعتماد المفرط على التكنولوجيا إلى تقليص حجم الجيوش واتساع الفجوة بين الجيش والمجتمع. ففي الولايات المتحدة، قد يقلل ذلك ارتباط المواطنين بالقرارات المتعلقة باستخدام القوة العسكرية، بما يضعف الرقابة الشعبية والديمقراطية.
أما الدول التي تعتمد التجنيد الإجباري، فقد تواجه تراجعًا في التماسك الاجتماعي نتيجة تهميش الفئات التي تتحمل عبء الخدمة العسكرية.
من أخطر عواقب فخ التكنولوجيا إضعاف الردع؛ إذ قد تدفع الثقة المفرطة بالقدرات التقنية الخصوم إلى المبالغة في تقدير قوتهم وإرادتهم القتالية، والتنافس على إثبات التفوق، ما يفاقم خطر التصعيد، خصوصًا إذا افترض الطرفان أن التكنولوجيا ستقلل الحاجة إلى التدخل البشري. ويمكن تجنب هذا الفخ بإدراك أن وسائل الحرب تتغير باستمرار، لكن جوهرها يظل ثابتًا، وهو ما يؤكده تحليل جريدة عُمان لهذا الملف.
فلا توجد تقنية تختصر الطريق إلى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي ينبغي حسمها قبل إرسال القوات إلى القتال.
