تراجع مؤشرات السيولة في مصر لأول مرة منذ سنوات
شهدت مؤشرات السيولة المحلية في مصر تراجعاً بنسبة 0.4% على أساس شهري خلال يونيو الماضي، في أول انخفاض من نوعه منذ سنوات طويلة، مما أثار تساؤلات حول وجهة تحرك الأموال داخل الاقتصاد المصري.
وبحسب بيانات حديثة صادرة عن البنك المركزي المصري، انخفضت السيولة المحلية بنحو 68.9 مليار جنيه خلال يونيو، لتسجل 15.26 تريليون جنيه، مقابل 15.33 تريليون جنيه في مايو السابق له.
وتشمل السيولة المحلية (M2) كلاً من المعروض النقدي (M1) المتداول خارج الجهاز المصرفي، والودائع الجارية غير الحكومية بالعملة المحلية لدى البنوك، بعد خصم أرصدة الشيكات والحوالات المشتراة.
هذا التراجع غير المعتاد دفع المحللين إلى التساؤل حول ما إذا كانت السيولة قد تحركت نحو العقارات والذهب والأسهم بحثاً عن التحوط والحفاظ على القيمة، أم أن جانباً كبيراً منها جرى امتصاصه عبر زيادة الإقراض وتوظيف البنوك لأموالها في أدوات الدين الحكومية.
القطاع المصرفي يكشف أسباب تراجع السيولة
كشف القطاع المصرفي المصري عن أحد الأسباب الرئيسية وراء انسحاب السيولة إلى الشركات، وسط طلب معزز على الاقتراض مع الاعتياد على تكلفة الأموال المرتفعة التي تتجاوز 20%.
وأوضحت الخبيرة المصرفية ونائب رئيس بنك مصر سابقاً، سهر الدماطي، أن تراجع السيولة في مصر مرتبط بعوامل مصرفية ونقدية، إذ عززت تراجعات أسعار الفائدة اتجاهات الشركات العاملة في البلاد نحو زيادة الاقتراض لتمويل احتياجاتها وتحسين دورة رأس المال العامل، وهو ما رفع نسبة القروض إلى الودائع وسحب جزءاً من السيولة المتاحة لدى البنوك.
وأضافت الدماطي أن البنوك المصرية توسعت في توظيف جزء من أموالها في أذون الخزانة وأدوات الدين الحكومية للاستفادة من العوائد المرتفعة، مما ساهم في امتصاص جزء من السيولة المتاحة.
كما أشارت إلى أن تغيرات سعر الصرف تعد من العوامل المؤثرة في قراءة مؤشرات السيولة، حيث تنعكس تغيرات تقييم الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية على بعض المؤشرات المصرفية.
وتزامن تراجع السيولة في يونيو مع انخفاض الائتمان المحلي بنسبة 2.1%، ليصل إلى نحو 17.6 تريليون جنيه، مقارنة بـ18 تريليون جنيه في القراءة السابقة.
تفسيرات متباينة حول وجهة الأموال
تتعارض تفسيرات الدماطي مع وجهات نظر أخرى حول الأمر، حيث رجح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، محمد أنيس، اتجاه جزء من السيولة إلى الاستثمار والتحوط من التضخم، بينما ذهب جانب آخر إلى الاستهلاك، مدعوماً بالتوسع في التمويل غير المصرفي خاصة الاستهلاكي.
وأوضح أنيس أن الذهب والأسهم والعقارات كانت من أبرز الأوعية الجاذبة للسيولة الاستثمارية خلال الفترة الماضية، حيث يميل أصحاب المدخرات الكبيرة إلى توظيف أموالهم في الأصول للحفاظ على قيمتها، بينما تتجه الشرائح الأقل امتلاكاً للسيولة إلى الاستهلاك.
ويرى أنيس أن تراجع السيولة لا يعني بالضرورة تحولاً هيكلياً في سلوك المدخرين، وإنما قد يمثل تصحيحاً لمستويات السيولة المرتفعة التي شهدها الاقتصاد خلال السنوات الماضية، في ظل التضخم واضطرابات سوق الصرف.
العقارات تستقطب جزءاً من السيولة
توقع أنيس استقطاب القطاع العقاري في مصر جزءاً من السيولة الباحثة عن التحوط خلال الفترة الأخيرة، خاصة من المستثمرين الذين ينظرون إلى العقار باعتباره وسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات في مواجهة التضخم وليس بالضرورة لتحقيق عائد دوري.
وأظهر تقرير حديث أعدته شركة