واشنطن تخرج من المنطقة الرمادية وتصنف فروع الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية
في خطوة تمثل تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية الأمريكية، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب تصنيف ثلاثة أفرع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية، منهية بذلك عقوداً من التعامل الغامض مع هذه الجماعة.
تصنيفات متدرجة بحسب درجة الخطورة
اتخذت وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان مقاربات مختلفة في التصنيف. فقد صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني كـ"منظمة إرهابية أجنبية"، وهو التصنيف الأشد خطورة الذي يجعل تقديم أي دعم مادي للجماعة جريمة جنائية فيدرالية.
أما الفرعان المصري والأردني، فقد أدرجتهما وزارة الخزانة ضمن قائمة "الإرهابيين العالميين المحددين خصيصاً" بتهمة تقديم الدعم لحركة حماس.
مبررات واشنطن الرسمية
برر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا القرار قائلاً: "هذه التصنيفات تعكس الإجراءات الافتتاحية لجهد مستمر ومستدام لإحباط عنف وزعزعة استقرار فروع الإخوان المسلمين".
وأكد روبيو أن "الولايات المتحدة ستستخدم جميع الأدوات المتاحة لحرمان هذه الفروع من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه".
قراءة جيوسياسية للقرار
يحلل الخبير الجيوسياسي الفرنسي رولان لومباردي هذا القرار ضمن منطق الأمن القومي والسياسة الواقعية، مشيراً إلى أن واشنطن لا تستهدف الجماعة بأكملها، بل هياكل معينة تعتبرها متورطة مباشرة في أنشطة تخريبية.
ويرى لومباردي أن القرار يمثل "إشارة سياسية واضحة موجهة إلى بعض حلفاء الشرق الأوسط الذين يعتبرون الإخوان المسلمين تهديداً وجودياً". وقد رحبت هذه الدول بالإعلان الأمريكي، واصفة إياه بـ"خطوة حاسمة" في مكافحة التطرف.
تحديات العلاقات الإقليمية
يحذر الخبير الفرنسي من أن هذا القرار "يخاطر بإثارة استياء شديد" من قبل الدول الداعمة للجماعة والشريكة للولايات المتحدة في الوقت ذاته.
ويوضح الأستاذ ناثان براون من جامعة جورج واشنطن أن "بعض حلفاء الولايات المتحدة سيكونون راضين عن التصنيف، لكن بالنسبة للحكومات الأخرى حيث يتم التسامح مع الإخوان، سيكون ذلك شوكة في العلاقات الثنائية".
من الأيديولوجيا إلى البراغماتية
يخلص لومباردي إلى أن "واشنطن تعدل براغماتيتها: أيديولوجية أقل، وإدارة أكبر لموازين القوى الإقليمية". هذا التحول يكشف عن انتقال في المقاربة الأمريكية من النقاشات الأيديولوجية حول الديمقراطية والإسلام السياسي إلى حسابات استراتيجية بحتة قائمة على المصالح.
التداعيات القانونية والعملية
يتيح هذا التصنيف تفعيل إجراءات مالية وإدارية شاملة، بما في ذلك:
- تجميد الأصول المالية
- حظر المعاملات التجارية
- قيود على الدخول إلى الأراضي الأمريكية
- تأثير على طلبات التأشيرات واللجوء
كما يشير الأستاذ براون إلى أن التصنيف قد يؤثر على دول أوروبا الغربية وكندا في تعاملها مع أعضاء هذه الفروع.
استراتيجية الضغط المرن
يلفت لومباردي إلى أن هذا القرار "يعكس ثابتاً في الدبلوماسية الأمريكية: عدم قطع الجسور تماماً أبداً، بل الاحتفاظ بوسائل ضغط قابلة للتعديل".
هذه الملاحظة حاسمة، فالتصنيف يستهدف فروعاً محددة وليس الجماعة بأكملها، مما يترك لواشنطن مجالاً للمناورة والتفاوض مع أجنحة أخرى من الجماعة في المستقبل.
نهاية الغموض الاستراتيجي
يمثل قرار إدارة ترامب نهاية لحقبة من الغموض الاستراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه الإخوان المسلمين. إنه انتقال واضح من المقاربات الأيديولوجية إلى حسابات براغماتية تهدف إلى إدارة موازين القوى الإقليمية وإرضاء حلفاء محددين.
لكن السؤال الجوهري يبقى معلقاً: كيف ستوازن واشنطن بين إرضاء دول معينة وتجنب إثارة استياء أخرى؟ في عالم الجيوسياسة المعقد، قد تكون الإجابة على هذا التساؤل محورية لمستقبل الاستقرار الإقليمي.
